ما بعد كأس إفريقيا للأمم 2025: انتصار الرياضة لا يكتمل دون انتصار القيم
يوسف الأزرق مدرس وكاتب مغربي

“حين غادرت الكرة أقدام اللاعبين، وبقي الامتحان الحقيقي في وعي الجماهير، وسلوك المجتمع، وأمن المدرسة والشارع”
لمّا أُطفئت أضواء الملاعب، وسكت هدير الجماهير، وبقي صدى الأهداف يتردد في الذاكرة، خرجت كرة القدم من المستطيل الأخضر لتقف أمام امتحان آخر…امتحان القيم، والسلوك، والقدرة على تحويل الفرح الرياضي إلى رصيد إنساني لا إلى شرارة توتر أو عنف.
لم تكن كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم 2025 بالمغرب مجرد حدث رياضي عابر، بل شكلت محطة تاريخية كشفت عن الوجه الحقيقي لإفريقيا المتطلعة إلى المستقبل، والقادرة على تنظيم تظاهرات كبرى وفق أرقى المعايير الدولية، مع الحفاظ على جوهر الرياضة كفضاء للتلاقي والتسامح والتنافس الشريف. ومع إسدال الستار على هذه الدورة القارية، يفرض سؤال جوهري نفسه بإلحاح: ماذا بعد كأس إفريقيا؟ وهل سنحسن استثمار هذا النجاح الجماعي في تحصين المجتمع من مظاهر العنف والتعصب، أم سنسمح لبعض الممارسات المعزولة أن تُفرغ الإنجاز من مضمونه التربوي والإنساني؟
لقد أبهرت المملكة المغربية العالم بجودة بنياتها التحتية، من ملاعب حديثة تستجيب للمعايير الدولية، إلى مراكز تدريب متطورة، وشبكات نقل سلسة، وتنظيم محكم وحسن ضيافة رفيع المستوى عكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى في مجال الرياضة والتنمية. ولم يكن هذا الإبهار تقنيا فقط، بل حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن المغرب لا يستثمر في الحجر وحده، بل في صورة الإنسان، وفي مكانة الرياضة كرافعة للتنمية والتقارب بين الشعوب.
غير أن الرهان الحقيقي لما بعد كأس إفريقيا لا يقف عند حدود البنيات التحتية ولا عند نجاح التنظيم، بل يتجاوزه إلى السلوك المجتمعي، لأن أخطر ما قد يهدد أي نجاح رياضي هو الانسياق خلف مشاعر التعصب، وما يترتب عنها من عنف لفظي أو جسدي، قد يمس بشكل مباشر الأمن التربوي والاجتماعي. فالتجارب أثبتت أن العنف الرياضي لا يولد فجأة، بل يتغذى على خطاب التحريض، والتبرير، والتطبيع مع السلوك العدواني.
لقد كشفت بعض المظاهر المعزولة من الاحتقان والانفعال، سواء داخل الملاعب أو في الفضاء الرقمي، أن خطر الانزلاق لا يزال قائما، وأن الانتصارات الرياضية، مهما كانت قيمتها الرمزية، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإهانة الآخر أو التحريض ضده. فالعنف، حين يُستساغ أو يُبرَّر باسم التشجيع، يتحول إلى قنبلة موقوتة، تبدأ بالكلمة وتنتهي بالفعل، وتضرب في العمق منظومة القيم داخل المجتمع، وتنعكس آثارها على المدرسة، والشارع، والأسرة.
ومن هنا، تبرز ضرورة نبذ العنف بكل أشكاله، وعدم الانسياق وراء دعوات التحريض أو الاستفزاز، خاصة في صفوف الشباب والناشئة، الذين يتأثرون بسرعة بما يُروَّج في منصات التواصل الاجتماعي. فالانسياق الأعمى خلف نتيجة مباراة أو قرار تحكيمي، قد يقود إلى فقدان البوصلة، ويُهدد ما يمكن تسميته بـالأمن الاجتماعي والتربوي، أي ذلك التوازن القيمي والسلوكي الذي تشتغل المدرسة والأسرة والمؤسسات على بنائه عبر سنوات طويلة.
إن الأمن التربوي والاجتماعي لا يتحقق فقط عبر القوانين والزجر، بل يقوم أساسا على الوقاية، والتربية، وبناء الوعي الجماعي. وهو ما يجعل دور المؤسسات التعليمية محوريا في مرحلة ما بعد كأس إفريقيا، حيث ينبغي استثمار هذا الحدث القاري لترسيخ ثقافة رياضية سليمة، تُعلِّم التلميذ أن الهزيمة جزء من اللعبة، وأن الفوز لا يمنح أي شرعية للاعتداء أو الإقصاء أو الاحتقار.
وفي هذا الإطار، تكتسي المبادرات التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب أهمية خاصة، وفي مقدمتها إحداث نوادي التعايش داخل المؤسسات التعليمية، باعتبارها فضاءات تربوية للحوار، وتعلم الاختلاف، وبناء السلوك المدني. فهذه النوادي ليست أنشطة موازية عابرة، بل آليات استراتيجية لحماية المدرسة من اختراق خطابات الكراهية، وتحويل الرياضة إلى رافعة للتربية على القيم، لا إلى مصدر للاحتقان.
وعلى مستوى المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالصويرة، ومنذ سنوات، تم إحداث مجموعة من النوادي التربوية ذات البعد القيمي والإنساني، من بينها نوادي التعايش، ونوادي المواطنة، ونوادي التربية على القيم والسلوك المدني، التي قامت ولا تزال تقوم بأدوار أساسية في التحسيس بمخاطر العنف، وترسيخ ثقافة العيش المشترك داخل الوسط المدرسي. وقد اشتغلت هذه النوادي، بتأطير من الأطر التربوية والإدارية، على تنظيم لقاءات تواصلية، وورشات تربوية، وأنشطة فنية ورياضية هادفة، جعلت من الرياضة مدخلا للتربية على التسامح، وضبط النفس، واحترام الاختلاف.
كما ساهمت هذه النوادي في إدماج قيم نبذ الكراهية داخل الأنشطة الموازية للمقررات الدراسية، وربطها بالواقع اليومي للتلميذ، خاصة خلال الفترات التي تعرف زخما رياضيا كبيرا، مثل كأس إفريقيا للأمم. وهو ما جعل المدرسة فضاء آمنا للنقاش والتوجيه، بدل أن تتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج العنف الرمزي أو اللفظي.
ويظل نموذج مدينة الصويرة مثالا حيا على إمكانية التعايش في أبهى صوره، باعتبارها مدينة عالمية تحتضن جنسيات متعددة، خاصة من الدول الإفريقية، تعيش في انسجام تام مع الساكنة المحلية. وقد شكلت الصويرة، خلال وبعد كأس إفريقيا، فضاء للاحتفال المشترك، دون توتر أو احتقان، في صورة تعكس عمق الاختيار المغربي في جعل التعايش أسلوب حياة لا مجرد شعار.
وتتعزز هذه الرمزية بوجود مؤسسة بيت الذاكرة بالصويرة، التي دشنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، باعتبارها معلمة ثقافية وإنسانية تحفظ الذاكرة المشتركة، وتكرس قيم الحوار والتسامح. فبيت الذاكرة ليس فضاء تاريخيا فحسب، بل رسالة حضارية تؤكد أن المجتمعات المتصالحة مع ذاكرتها هي القادرة على مواجهة خطابات الإقصاء والكراهية.
وعلى المستوى المحلي، تواصل المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالصويرة انخراطها الجاد في تأطير المؤسسات التعليمية، وتنظيم أنشطة تحسيسية مستمرة، تُعنى بتعزيز قيم المواطنة والسلوك المدني، وتحذر من مخاطر الانسياق وراء التعصب الرياضي، في أفق حماية المدرسة من كل ما قد يهدد أمنها التربوي ووظيفتها القيمية.
غير أن نجاح هذه الجهود يظل رهينا بانخراط جماعي واسع، يشمل الأطر التربوية والإدارية، وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، لأن مواجهة العنف مسؤولية مجتمعية ومشتركة لا يمكن اختزالها في مؤسسة واحدة. كما أن الإعلام مطالب اليوم بتغليب خطاب التوعية والتهدئة، بدل الإثارة المجانية، حفاظا على السلم الاجتماعي.
وفي العمق، يستمد هذا التوجه مشروعيته من مبادئ دين الإسلام الحنيف، الذي جعل من السلام قيمة مركزية، ودعا إلى نبذ الفتنة، واحترام الإنسان، وضبط النفس عند الغضب. فالإسلام دين تعايش ورحمة، وليس دينا للعنف أو الإقصاء، وهو ما ينبغي استحضاره في كل نقاش حول السلوك الرياضي والاجتماعي.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الثابتة أن المباريات تنتهي داخل الملاعب، أما آثارها، الإيجابية أو السلبية، فتمتد إلى المجتمع بأكمله. وإن كان المغرب قد ربح رهان التنظيم، والبنيات التحتية، وحسن الضيافة خلال كأس إفريقيا للأمم 2025، فإن الرهان الأكبر يظل هو حماية الأمن التربوي والاجتماعي، عبر ترسيخ ثقافة رياضية راقية، ترفض العنف، وتحصن الأجيال من الانسياق وراء التعصب، حتى تظل الرياضة جسرا للمحبة، لا شرارة للفتنة.




