رأي

مقال خاص بالصابرين المحتسبين الأجر الأوفى بغير حساب من رب العالمين

بانقداح الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام

مما لا شك فيه أن الابتلاء واجب من العلي القدير ومُسَلَّط على عباده اختبارا لهم بما يسوؤهم ويسرهم لتمحيصهم، وإظهار وتبيين المؤمن الصادق الشاكر الراضي بقدر ربه منهم من المنافق الكاذب المتبرم الساخط من قَرص النملة، فأحرى تعريضه للعضة، وهذه سنة ربانية قديمة جارية في الأمم كلها من بدء خلق آدم إلى يوم القيامة.
قال تعالى مؤكدا هذه الحقيقة الثابتة:
أَلَمِّ (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُواْ أَنْ يَّقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)” سورة العنكبوت.
فلا ينبغي تَوَقُّعُ خِلاَف ذلك؛ ولقد اختبر العزيز المقتدر من سبقنا بأنواع من الفتن والتكاليف الشاقة بعد الاستقامة كشفا للأقنعة الحقيقية والمزيفة ليميز الخبيث منهم بارتكاسه في أسفل السافلين من الطيب بثباته وإدراجه في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ومن أَجَلِّهِمْ ابتلاء أولواْ العزم من الرسل: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، فقد أوذوا إذايات بليغة تنوء بتَحَمُّلها الجبال، فلما صبروا مكنهم الله في الأرض لأنه لا يضيع أجر المحتسبين الصابرين. قال تعالى بسورة الزمر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [10]. و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾[الأنبياء: 35].
فلا يَظُنَّنَّ أحد أن يخلص في هذه الدنيا من الألم سواء آمن أو كفر، إنما الفرق في الجزاء، إذِ المؤمن يحصل له الألم في الدنيا، فيتحمله بالقَبول والرضى مُرددا قول المصطفى لما أطلق الكفار عليه في بداية دعوتهم للإيمان بالواحد الأحد القهار صبيانهم وسفاءهم، فحجَّروا ذاته الزكية الكريمة حتى بلغ الطائف مُنْهَكَ الْقِوَى، ومُدْمِيَ القدمين، فجلس صلى الله عليه وسلم مستظلا تحت شجرة عِنب، وقال كلاما يواسي به الصابرين يشكو به حاله لربه ناصر المستضعفين، ولمن تأمل مفرداته جيدا ممعنا النظر فيها ستدمع لا محالة ودون مَيْنٍ أي شك عيناه في الحين:
اللّهُمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ، وَأَنْتَ رَبِّي إلَى مَنْ تَكِلُنِي (بمعنى إلى من سَتُسَلِّمُنِي، وقد فوضت إليك أمري راضيا بحُكمك وقضائك) إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي ( بمعنى يَعْبِس في وجهي، ويريني ما أكرهه) أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى (بمعنى الرضى) حَتَّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ (وهو التَّغَيُّرُ والتَّحَوُّلُ من حال إلى حال ) وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ (أي بإذنك) “، وبعد تفويض الأمر لِمُدبِّره تكون العاقبة في الدنيا بالتمكين، وفي الآخرة الجنة باليقين، والكافر تحصل له النعمة ابتداء، فتقوده إلى الألم المستديم نارا في لظاها المبين.
وأختم بقول أحدهم معلقا على تحقيق مناط الإيمان بالحديث الجبريلي في إجابته لسؤاله عنه قال صلى الله عليه وسلم:
” أَنْ تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره “.
قال وهو يتعالَمُ على نبي الهدى: “حبذا لو لم يذكر في القدر: ” وَشَرِّهِ ” يَاكْ رَبِّي زْوِينْ بْيَدُّو غِرْ الْخِيرْ وَالتَّيْسِيرْ مَا نْظَنْشْ يْسَلَّطْ عْلَى عْبَادُو الشَّرْ وَالتَّعْسِيرْ “.
مَسْكِينْ بْغَ يَدْخُلْ زُوجْ جَنَّاتْ هْنَا وَلْهِيهْ بْلاَ مَا يْقْدَّمْ حَتَّى تَضْحِيَّة. آشْنُو ظْهَرْ لْكُمْ فْهَاذْ الْقَضِيَّة؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى