منتدى القراء

أدوار إقليمية على حساب ليبيا

هشام بلحسين صحفي

لم تعد الاجتماعات الإقليمية حول ليبيا مجرد سوء تقدير سياسي، بل أصبحت جزءًا من منظومة أدوار واضحة، لكل طرف فيها حساباته، تُدار جميعها على حساب السيادة الليبية. ما يجري اليوم ليس بحثا عن حل، بل توزيع أدوار، ومحاولة ضبط المشهد الليبي بما يخدم مصالح الجوار، لا بما ينهي الأزمة.
مصر تنظر إلى ليبيا من زاوية أمنية صِرفة. حدود طويلة، هواجس ممتدة، ورغبة دائمة في وجود سلطة ليبية “منضبطة” تتماشى مع أولوياتها. لذلك لا يهم إن كان الليبيون جزءًا من النقاش، بقدر ما يهم أن تكون النتائج منسجمة مع هذه الرؤية، حتى لو فُرضت من الخارج أو صيغت في غياب أصحاب الشأن.
تونس، التي ترفع شعار الحياد، تلعب دور “المنصة الآمنة”. تستضيف، تيسّر، وتفتح القاعات، لكنها نادرًا ما تطرح سؤال الشرعية: من يمثل ليبيا؟ ومن يملك حق الحديث باسمها؟ هذا الدور، وإن بدا ناعمًا، يساهم عمليًا في شرعنة تغييب الليبيين، وتحويل الأزمة إلى ملف دبلوماسي عابر للحدود.
أما الجزائر، فتلعب الدور الأخطر: دور الخطاب المناقض للممارسة. ترفع علنًا شعار “الحل الليبي–الليبي”، لكنها تشارك في مسارات لا ليبية، وتبارك اجتماعات تُقصى عنها ليبيا نفسها. هذا التناقض لا يمكن تفسيره بالحرص على الاستقرار، بل بمحاولة الإمساك بخيوط التأثير، ومنع أي مسار لا تكون الجزائر جزءًا من هندسته.
هذه الأدوار، مجتمعة، لا تصنع حلًا، بل تخلق شبكة مصالح تُدار فيها الأزمة بدل أن تُحل. فكل دولة من الجوار تريد ليبيا “مستقرة” وفق تعريفها الخاص، لا وفق إرادة الليبيين. والنتيجة: مسارات متوازية، مبادرات متضاربة، واتفاقات تولد ميتة لأنها لا تنطلق من الداخل.
الخطير في هذه المقاربة أنها تُلبس التدخل ثوب الحرص، وتُقدّم الوصاية على أنها دعم. بينما الحقيقة أن تغييب الليبيين عن طاولات النقاش هو اعتراف ضمني بعدم الثقة في قدرتهم على إدارة شؤونهم، وهو منطق استعماري بوجه دبلوماسي.
ليبيا لا تحتاج جيرانا يرسمون مستقبلها، بل جيرانا يحترمون حدود دورهم. الدعم الحقيقي لا يكون بعقد الاجتماعات المغلقة، ولا بصياغة الحلول الجاهزة، بل بترك المساحة لليبيين كي يختلفوا، ويتوافقوا، ويخطئوا، ثم يصححوا مسارهم بأنفسهم.
أما الاستمرار في لعب الأدوار الإقليمية فوق الأرض الليبية، فلن ينتج استقرارًا، بل سيطيل عمر الأزمة، ويجعل من الجوار جزءًا من المشكلة، مهما ادّعى عكس ذلك.
فليبيا ليست مسرحًا إقليميًا، ولا ملفًا أمنيًا، ولا ورقة تفاوض… ليبيا دولة، ومن يتجاهل هذه الحقيقة، لن يكون يومًا جزءا من الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى