منتدى القراء

تسديد التبليغ و ذكرى 11 يناير المجيدة

مسرور المراكشي :

_ خطة تسديد التبليغ “ثورة” ثقافية فريدة…!!

كنت أظن و إلى وقت قريب أن “ماو تسي تونغ”، الرئيس الصيني الشيوعي مفجر و مبدع الثورة الثقافية التاريخية، و التي غيرت وجه البلاد إلى الأبد و قطعت مع عصر الإقطاع، لأكتشف مؤخرا أن وزارة الأوقاف هي كذلك فجرت ثورة ثقافية، لتسجل اسمها في سماء الثورات وتزاحم ثورة “ماو”، فإن كانت الثورة الأولى في شرق الأرض بالصين، فإن الثانية في غربها ببلاد المغرب، باختصار يا سادة هي ثورة خطة “تسديد التبليغ ” المباركة العتيدة.
لقد نفخ الإعلام الرسمي في هذه الخطة و مدحها، وقال عنها أيضاً من صنعت على أعينهم و شاركوا في صياغتها: ( …إن هذه الخطة قد أتت بما لم يأت به الأوائل، و أصلحت ما فشل في إصلاحه من سبق من العلماء و الوعاظ، و هكذا تصبح خطب الجمعة أحسن تسديدا مما كانت عليه، و سيعود للدين عزه و بريقه و للمجتمع أيضا تماسكه و تمسكه بالإسلام، و تعم الصحوة المباركة البلاد كلها ويدخل الأجانب في دين الله أفواجا ..)، المهم بعد المدح الكثير زاد حماس و شوق جماهير المصلين لسماع خطب تسديد التبليغ التي ستحدث ثورة و قطيعة مع خطب الزمان الماضي، لأن خطبة الجمعة اليوم أصبح لها كتاب سيناريو محترفين و لها أيضا إخراج جديد، وقد تحصل على علامة الجودة العالية ( ISO ) في تحسين تدين المغاربة، وأن وزارة الأوقاف تضمن لكم الاستقامة بعد سماع خطب التسديد، لأن مجرد دخولك المسجد وسماع خطبة التسديد، قد يغير ذلك حياتك كلها كما يقول المثل المغربي : ( دخول الحمام ماشي بحال خروجو )، المهم دعونا نصدق هذه المرة كذلك ما قالوا و مدحوا و دبجوا و زوقوا، و نمضي مع هؤلاء الجهابدة إلى النهاية لننظر أصدقوا أم كانوا من الكاذبين، كما يقول المثل المغربي المشهور : ( غير سير مع الكذاب حتى لباب الدار )، ومادة الاختبار هي طريقة تعامل خطب تسديد التبليغ، مع المناسبات الوطنية والدينية، نموذج عيد الاستقلال و ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال 11 يناير، و سنركز على هذه الأخيرة مع الإشارة فقط إلى عيد الاستقلال…..

_ خطبة الجمعة تحت شعار اذكروا مستعمركم”بخير” يرحمكم الله..!!

ومن محاسن الصدف أن تمر ذكرى 11 يناير الوطنية، ثم تليها مباشرة ذكرى الإسراء والمعراج الدينية، الأولى تتعلق باحداث أرضية كفاح من أجل نيل الاستقلال، والثانية لها علاقة باحداث سماوية، بعد اختراق الرسول صلى الله عليه وسلم السماوات السبع. المهم كيف تعاملت خطبة التسديد مع هاتين المناسبتين..؟، بداية نتكلم عن أحداث أرضية استشهد فيها الآلاف من المغاربة، من أجل تحرير البلاد من الاحتلال الفرنسي، حيث قام ثلة من الوطنيين بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، يوم 11 يناير 1944 إلى سلطات الاحتلال الفرنسي، تطالب برحيل المستعمر الفرنسي عن البلاد، وأن تبسط الدولة كامل سيادتها على كل التراب الوطني، مع السعي وراء كسب التأييد الدولي لهذه المطالب، هذا فيما يخص الجانب الخارجي من مطالب الوثيقة، أما عن الشق الداخلي فإن الوطنيين طالبوا بالإصلاح السياسي، و بإنشاء نظام حكم دستوري شوري ( ديموقراطي) يراعي مصالح كل الشعب المغربي، لكن السؤال الحارق و المحير هو كيف تعامل “رسول” الأوقاف مع وثيقة 11 يناير…؟ ونحن نعلم أن الفقيه الواعظ ممنوع منعا كليا من الكلام في السياسة، وكم من إمام تم توقيفه لأنه تكلم في” السياسة”، وهذه الأخيرة تعني عندهم الحديث عن : ( فلسطين و حرب غزة _ وذكر غلاء المعيشة _ و نهب المال العام _ المطالبة بالحرية للمعتقلين السياسيين _إلغاء مهرجان موازين…)، و التناقض الصارخ المضحك المبكي في نفس الوقت، هو أن هذه الوثيقة مغمسة في السياسة من الألف إلى الياء..!!، إذن حسب هذا المنطق السياسة ليست كلها حرام و ممنوعة، حيث يكون هناك ضوء أخضر للفقيه كي يتكلم في السياسة، لكن بشرط أن تكون مسايرة لهوى السلطة عند الحاجة، المهم انتظر جمهور المصلين بشوق بروز مرسول الأوقاف، و خطبة التسديد لأنها غير مسبوقة كما قالوا وفيها الجديد، فبدأت تشرئب الأعناق عندما دخل الإمام المعمم و المجلبب و المسلهم، وبعد أن حمد لله و أثنى عليه ثم صلى على سيدنا محمد، تكلم في كل شيء إلا الاستعمار الفرنسي و جرائمه، فلولا أن الوثيقة تسمى ( المطالبة بالاستقلال)، لما علم المصلين بمضمونها ولا سبب تقديمها و لا بماذا تطالب. تخيل معي أن الأوقاف في المستقبل البعيد، لم تعد تذكر كلمة “الاستقلال” مقرونة بالوثيقة، حيث يكتفي خطيبها بقول: (ذكرى تقديم وثيقة 11 يناير المجيدة)، فقد يظن جيل الشباب في سنة 2060 مثلا أنها مجرد وثيقة إدارية، مثلا : (وثيقة السيرة وحسن السلوك _ عقد الازدياد _ عقد ملكية _ شهادة السكنى….)، بل لم يذكر خطيب الخطة المسددة حتى الجهة التي قدمت لها هذه الوثيقة، ولا ذكر بنودها أو أشار إلى اسم المحتل الفرنسي، الذي احتل البلاد، و كأننا كنا مستعمرين من طرف كائنات فضائية، فعلى الأقل كانت خطب الجمعة في القرن الماضي، أي قبل خطة التسديد تذكر المحتل بالاسم ويقول الخطيب جهرا : ” الاحتلال الفرنسي الغاشم” و ذلك في عيد الاستقلال. رغم أن الكثير من المصلين لا يدري ما معنى الغاشم، المهم إن استمرار هذا التعتيم و التجهيل ذو البعد التاريخي، قد يؤدي لا قدر الله في المستقبل إلى كارثة، حيث إن الأجيال القادمة لن تعرف من احتل البلاد… و هذه مصيبة أخرى تضاف إلى مزايا خطة التسديد المباركة…!!!

_ كيف تعاملت خطبة التسديد مع معجزة الإسراء والمعراج..؟ :

بداية كان على خطيب جمعة التسديد، خلع السلهام و الجلباب و ارتداء ملابس رواد الفضاء، وذلك لسببين الأول : هو أن الإمام قادم من كوكب الزهرة، و لا علم له بما وقع من فتنة كروية بين المغرب و السنغال، والثاني : هو الخطبة التي كانت أغلب أحداثها تدور في السماء أي المعراج فقط، ولم يعش المصلين مع حدث الإسراء إلا لحظات قليلة، ثم انطلق بنا الخطيب إلى السماوات السبع، وتحدث بإسهاب عن فريضة الصلاة التي كانت في البدء خمسين صلاة، ثم أصبحت خمسا بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم التخفيف من الله، بعد لقائه بالنبي موسى عليه السلام في السماء الخامسة، حيث نصحه بالعودة إلى الله و أن يسأله التخفيف، المهم بقي خطيب التسديد في السماء يشرح فضائل الصلاة، وكنت أنتظر عودته الميمونة إلى الأرض وبالضبط للمسجد الاقصى، لكن يبدو أن علماء خطة تسديد التبليغ غضو الطرف عن المسجد الاقصى عمدا، بسبب أجندة التطبيع لأن الكلام في هذا الموضوع أصبح خطا أحمر، و فضلوا الكلام عن المعراج فقط والهروب إلى السماوات السبع، لأن الأقصى اليوم يتعرض للإعتداء و التدنيس من طرف قطعان المستوطنين، التي تسرح و تمرح في باحات المسجد و تنتهك حرماته، في اقتحامات متتالية لمحاولة فرض التقسيم الزمني، مع منع المصلين من دخوله قصد تهويده… و قد يجر موضوع الأقصى الحديث عن الإبادة الجماعية في غزة، المهم أخذنا فقيه الأوقاف مشكورا في رحلة سماوية مشوقة، الحمد لله الذي ربط بين المسجد الحرام و المسجد الاقصى، ( …سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ…)، والله إن هذه الآية الكريمة لتشكل حرجا شديدا لوزارة الأوقاف، التي فصلت و أوقفت الكثير من الأئمة بسبب حديثهم عن فلسطين و حرب غزة، في رأيي أن الكثير من المطبعين كرهوا أن يكون الإسراء مباشرة إلى المسجد الاقصى، ولو كان الأمر بيدهم لحرفوا هذه الآية، ليصبح الإسراء إلى جزر “الهونولولو” ثم يكون المعراج منها أيضا، ولكن الله حسم وحكم أن يكون ذكر المسجد الأقصى في قلب القرآن، يتلى الى يوم الدين ولو كره اليهود والنصارى ومن والاهم من المنافقين، ليبقى ذلك غصة في حلق الأعداء الظاهرين منهم و المستترين كذلك..
_ خلاصة :
إن خطة تسديد التبليغ غلبت الجانب السياسي مع الأسف، وعملت على تطويع الدين لخدمة السياسة، خوفا من غضب بني قريظة و طمعا في رضى فراعنة العصر الحديث الأمريكان، حيث غابت قضايا الأمة وأم القضايا فلسطين، عن خطب الجمعة عمدا منذ عام و نصف تقريبا، أي منذ انطلاق خطب خطة تسديد التبليغ المباركة، و ذلك انسجاما مع مخطط التطبيع المنبوذ شعبيا : ( .. ولن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ..)، إن حب المسجد الاقصى المبارك مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وحب أهل فلسطين سيبقى منقوشا في قلوب الملايين من أحرار المغرب، و لن تنفع “خطة” التسديد ولا كل الخطط في محو هذا الحب الأبدي، إن الفشل هو مصير هذه الخطط كلها بعون الله ثم بكفاح الشعوب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى