رأي

حديث الثلاثاء (304) المسلم يجاهد بإيمان وأمل وثقة

رضوان ابن شقرون

انطلاقا من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى يوم (مؤتة) زيدا وجعفرا وابن رواحة قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخَذَ الرّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَها جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أخَذَها ابنُ رَواحَةَ فَأُصِيبَ، وعَيْناهُ تَذْرِفانِ، حتّى أخَذَ الرّايَةَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ، حتّى فَتَحَ اللَّهُ عليهم»
موضوع هذا الحديث الصحيح هو (غزوة مؤتة) التي جرت في جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة (غشت 629 م)، بمكان يسمى (مؤتة) يقع فيما يعرف اليوم بالأردن؛ حيث جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة من المجاهدين للخروج إلى مواجهة الروم، وسلم راية القيادة لزيد بن حارثة، وقال: إن استشهد زيد فليأخذ راية القيادة جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فليأخذ الراية عبد الله بن رواحة. وفعلا استشهد الثلاثة في الميدان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعركة بالمدينة يخطب في المسلمين، وأثناء خطبته أعلمه الله عز وجل بالأمر فأخبر المسلمين باستشهاد القادة الثلاثة، وبأن خالد بن الوليد تولى قيادة جيش المسلمين متطوعا فقاد الجيش بحكمة ودهاء حتى فتح الله على المسلمين، وتمكنوا من الانسحاب من المعركة بسلام أمام جحافل الروم الذين كادوا يسحقونهم سحقا، فقد كان جيش المسلمين ثلاثة آلاف جندي، وجيوش الروم مائتي ألف!
معركة صعبة، تعكس صوراً رائعة من التضحية والفداء، وتفيد من يتأمل ويعتبر، أن المسلم الصادق يجاهد في سبيل الله بثقة وإقدام، لا تُرهِبُه عُدّة ولا يُخيفُه عَدَد ولا تُفزِعُه تقنية، إنما يجاهد طمعا في نصر من الله وعزة للإسلام وهمة للمسلمين، أو شهادة يرتقي بها إلى مرتبة النبيئين والصديقين، فينال السعادة في الحياة الحقيقية الدائمة، لأنه قدم روحه في سبيل الله في الحياة القصيرة الفانية.
وفي الحديث دليل واضح من دلائل النبوة، يقوي فينا الإيمان والثقة، وذلك في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم خبر المعركة وهو بعيد عنها وليس لديه هاتف ينقل إليه الخبر العاجل، ولا (تلكس) ولا (فاكس) يبعث إليه بالأحداث في حينها، ولا (ذكاء اصطناعي) يمكنه من رؤية ما يجري بعيدا، وفي إقدام هذه القلة من الجنود، وتماسكهم وثباتهم على الرغم من كثرة أعدائهم واستشهاد قادتهم ما يزكي في الأجيال روح الشجاعة والتضحية؛ وهاهم المجاهدون الفلسطينيون اليوم يعانون من أعدائهم، بل ومن بعض إخوانهم، ما يثبط العزائم ويضعف الهمم، لكنهم يقدّمون التضحية بعد التضحية في سبيل الله ودفاعا عن أرض باركها الله وقدر لها أن تكون أرض الإيمان والإسلام لا ميدان الظلم والطغيان ولا منزل الذل والجبن والهوان، والله المستعان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى