
انطلاقا من قول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنْثَى بِالاُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنَ اَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ اِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ الِيمٌ ﴿177﴾﴾
الخطاب في القرآن الكريم بـ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: تنبيه إلى أن الوحي سيبين فرائض أو أحكاماً شرعية مما يبنى عليها معاش الناس في الدنيا أو معاذهم في الآخرة، كي يصغي المؤمنون ويستعدوا للاستجابة بالطاعة والتنفيذ.
وفي هذه الآية الكريمة بيان حكم الشرع في جريمة القتل التي تنغص حياة الجماعة، وتعكر صفو الإنسانية، وهو القصاص أي متابعة المجرم القاتل ومعاقبته على جريمته بمثل جنايته إنصافاً وعدلاً، لأن حياة الإنسان ملك لخالقها، ومسؤولية المجتمع الذي يسوس الناس بأمر الخالق وشرعه، وليس لمخلوق أن يضع حدا لحياة مخلوق. وعقاب القاتل إما بإعدامه، وإما بقبول عوض يؤدى لأهل الضحية إذا رضوا به، وهو الدية، إلا أن يسامحوا القاتل ويعفوا عنه بلا عوض. وهذه الخيارات الثلاث: (القصاص) بالإعدام أو أخذ (الدية) أو (العفو) عن الجاني، إنما شرعها الله عز وجل لهذه الأمة تخفيفاً عليها وتحقيقاً لغايات ربانية رحيمة، ولمصلحة المجتمع تهدئةً لأوضاعه وتربيةً لنفوس المؤمنين على العدل إن شاءوا، والفضل بالعفو والتسامح إذا أرادوا، وحثّاً لأهل المجرم على أداء الدية بالمعروف؛ وقد كان حكم القاتل في شريعة اليهود هو القصاص، أي الإعدام فقط وأما العفو والدية فحرام عندهم؛ وفي شريعة النصارى العفو على الإطلاق، وأما القصاص والدية فحرام؛ وأما هذه الأمة الخاتمة فخُيِّرَت بين الأحكام الثَّلاثة؛ تَيْسِيراً من رب العزة سبحانه ورحمة؛ وتنزيلا للحكم على حسب الظروف والأحوال النفسية والإيمانية والاجتماعية، وهَذه الأحكام إنما هي في القتل العمد، لا قتل الخطأ. ومما يستفاد من الآية ومقاصد هذا التشريع:
(1) الترغيب في تطبيق قول الله عز وجل: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ وذلك بالرضا بالدية، أي العوض عن دم القتيل بدلا من القصاص، أو العفو عن القاتل ومسامحته، لأن قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ورحمة﴾ أي ذلك الحكم المذكور، وهو قَبُولُ العَفْوِ وإحْسانُ الأداءِ والعُدُولُ عَنِ القِصاصِ، تخفيف من اللّه ورحمة.
(2) رعاية مصالح الإنسان بتشريع الأحكام العادلة التي تحفظ لذوي الحقوق حقوقهم، ولا تشجع المجرمين على ارتكاب جرائم أخرى، فالقصاص عدل، والعفو رحمة، خلافا لما يتمشدق به مدعو الحضارة والإنسانية في هذا الزمان الذي يلوح فيه الأفاكون بالشعارات المفرغة من مقاصدها الإنسانية الحقيقية، مثل (حقوق الإنسان) أو (حقوق الطفل) أو (حقوق المرأة) أو (إدماج المرأة في التنمية) ولهم من وراء ذلك أهداف هدامة، كتفكيك الأسر وتسميم للشعوب وتضليل للمرأة لإفساد عقيدتها وإبعادها عن دينها والإيقاع بها في مهاوي الرذائل والمصائب والمفاسد التي أمسى المجتمع الغربي يعاني من ويلاتها وسوء عواقبها، ولم تعد غاياته خفية على عاقل. رضوان ابن شقرون




