” ما بالنا ندعو ولا يُسْتَجاب لنا !!!”
شرح وتدقيق: الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي الفانوس بالتحقيق _ ولله المنة _ مضيء الطريق للبعيد والرفيق.

تلكم المقولة التي سردتها في مقدمة المقال تعود إلى أهل البصرة في سؤالهم لإمام العارفين إبراهيم بن أدهم؛ حيث كان يمشي في أزقة البصرة، فاجتمع إليه الناس فقالوا له: مَا بَالُنَا نَدْعُو فَلاَ يُسْتَجَابُ لَنَا، والله تعالى يقول: ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ “.( من سورة غافر الآية 60)، فقال لهم في ذلك الوقت القريب العهد بالإيمان الطري الصادق الوعد باختلاف اللفظ بين الرواة، ورواياتهم كلها تصب في المعنى المراد نفسه:
” يا أهل البصرة قد ماتت قلوبكم بعشرة أشياء:
1 _ عرفتم الله ولم تؤدوا حقه.
(وحقه توحيده وعبادته، وإخلاص الدين كله له وحده لا شريك معه).
2_ قرأتم القرآن ولم تعملوا به. ( أي لم تتقيدوا بمنطوقه مُحِلِّين حلاله، ومُحَرِّمين حرامه).
3 _ ادعيتم حب الرسول صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته ( ويتجلى هذا الترك حبه في اتباع نهجه، واقتفاء أثره.
قال عز من قائل بسورة آل عمران: { قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31)”.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى مُفْصِحًا القَوْلَ وَمُبَيِّنًا للإعراب:
” هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله “.
4 _ادعيتم عداوة الشيطان، فلم تحاربوه، فوافقتموه ( أي اتبعتموه في ما يُمْلِي لكم بسلاح الإغراء والتزيين والإغواء، وانتبه
يا إخواني الأعزاء في قول ربنا جلّ وعلا، حيث لم يقل بهذه الآية الكريمة: ولا تتبعوا الشيطان، بل قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطْوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن الشيطان لا يأخذك إلى الهاوية دفعة واحدة، بل خطوة بعد خطوة، ودرجة بعد درجة حتى يرديك في النيران كما فعل مع أبينا آدم عليه السلام مقررا ذلك بسورة الأعراف: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ… (22). الْحَاصِلُ هُوَ أَنَّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ: أَنَّهُمَا إِنْ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْهَا نَالَا الْخُلُودَ، وَالْمُلْكَ، وَصَارَا مَلَكَيْنِ، وَحَلَفَ لَهُمَا أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، يُرِيدُ لَهُمَا الْخُلُودَ، وَالْبَقَاءَ، وَالْمُلْكَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ. وَفِي الْقِصَّة أَنَّ آدَمَ لَمَّا سَمِعَهُ يَحْلِفُ بِاللهِ اعْتَقَدَ مِنْ شِدَّةِ تَعْظِيمِهِ لِله أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ أَحَدٌ عَلَى الْكَذِبِ، فَأَنْسَاهُ ذَلِكَ الْعَهْدَ بِالنَّهْيِ عَنِ الأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا مَا يَحْصُلُ لَنَا فِي اسْتِدْرَاجِ اللَّعِينِ لِإِيقَاعِنَا فِي الْمَعْصِيَّةِ مِنْ بَابِ شِي بَاسْ مَا كَانَ..
5 _ ادعيتم دخول الجنة ولم تعملوا لها. (أي تمنيتم ذلك بالرجاء في الله، ولم تقوموا بالأعمال الموصلة إليها بدعوى أنه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية).
6 _ادعيتم النجاة من النار ورميتم فيها أنفسكم (بِسُلُوكِكُمُ السُّبُلَ المؤدية لها طامعين في رحمة الله دون توبة وإنابة وعمل صالح).
7 _قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له. ( الاستعداد الحقيقي له بالخوف من هادم وهازم اللذات، ومُفرِّق الجماعات: حيث إن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حُفَرِ النار..
8 _ اشتغلتم بعيوب الناس ولم تنشغلوا بعيوبكم. ( وهذه آفة خطيرة متفشية عبر العصور ساهمت في نشر غسيلها بقوة وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس إناثا وذكورا جُهَّالَهُمْ وعُوَيْلِمِيهِمْ؛ إذِ الْجَمَل لا ينتبه لِحَدَبَتِه بل حدبة أصحابه. مَا كَايَنْ غِرْ عَيَّبْ في نعيب فيك. أما الإصلاح والصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللهْ يْجِيبْ.
9 _دفنتم الأموات ولم تعتبروا. ( الحمد لله اليوم، فالناس تحج بكثرة إلى حضور الجنائز وأغلبهم تراهم ساهين لاهين مُبْرِمِينَ للصفقات ضاحكين في المآتم منشغلين بالهواتف الغَبِيَّات، وقليل منهم الفائز المعتبر بمآله المحتوم الذي ينتظره: ” حفرة نيرانية أو روضة جناتية “).
10 _أكلتم نعمة الله ولم تشكروه عليها.
( وفيها تذكير للنعم الكثيرة المغدقة على بني البشر، والتي يصعب تَعْدادها، وأحصاؤها. قال الله تعالى:
“وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللهِ لَا تُحْصُوهَآ، إِنَّ ٱللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ “.
وهذا كرمٌ إِلهيٌّ مُحيّر العقول؛ نِعَمٌ لا تُعدّ، وعطاءٌ لا ينقطع، وستـرٌ يسبق العقوبة، ومغفرةٌ تتقدّم الحساب، وتأمل في رسم “نعمتَ” بالتاء المبسوطة على إطلاقها، إذ المفروض إملائيا كتابتها مربوطة، لكن الضباط رسموها على تلك الشاكلة بهدي من معلمهم ومرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم لتفيد الإطلاق غير المحدد، فالله
يَغدِق علينا من خيراته وبركاته، ونحن مُقصِّرون في جنابه الأعلى، ويغفـر لنا زلاتنا بالرغم من تَكرارها، وكأن رحمته تقول: “تعالوا إلي عبادي، فبابي أوسع من ذنوبكم، ولو بلغت زبد البحر وعنان السماء، وفضلي أعظم من تقصيركم اتجاهي “).
فاللهم بصرنا بعيوبنا، واغفر لنا زلاتنا، وارحمنا يا أرحم الراحمين، ويا رب المستضعفين. آمين آمين يا رب العالمين.




