رأي

الفنان بين التوبة المعلَنة والإنسانية الصامتة:

محمد كندولة

يظلّ الفن ميدانًا للجدل الفلسفي والأخلاقي: أهو تعبيرٌ حرّ عن الروح،أم أنه مسؤولٌ أمام القيم المجتمعية؟ وعندما يعلن فنانٌ ما توبته عن فنه،أو يُشاد بـإنسانيته، نقف أمام سؤال جوهري: هل يجب أن يُطلب من الفنان أن يتوب عن فنه، بينما لا يُطلب ذلك من غيره؟ وهل الإنسانية في الفن تُقاس بالكلمات أم بالأفعال؟
لاستكشاف مفهومَي الفنان التائب والفنان الإنساني، ليس كفئتين جامدتين، بل كظاهرتين اجتماعيتين وثقافيتين تحملان في طيّاتهما تناقضات العصر، وصراعات الهوية، وعلاقة الفن بالأخلاق. فأولًا: نتساءل من هو الفنان التائب؟ليس هو بالضرورة من ارتكب جريمة، بل غالبًا ما يكون فنانًا قرر الانسحاب من ممارسة فنية كان يراها أو رآها مجتمعه منافية للقيم. لكن قد تكون دوافع التوبة داخلية كما قد تكون خارجية. أما الداخلية فقد تكون ندما وجوديا، أو أزمة روحية، أو تحوّلا فكريا. وأما الخارجية فسببها قد يكون ضغطا دينيا،أو اجتماعيا،أو تغيّريا في المناخ السياسي،أو حتى حسابات مهنية من مثل إعادة تشكيل الصورة العامة وفق سياسات فنية معينة.ففي السياق العربي الإسلامي مثلا، برزت ظاهرة التوبة من الفن خاصة في التسعينيات وأوائل الألفينات ، حيث أعلن عدد من المطربين والممثلين تركهم للفن توبةً إلى الله، وارتدى بعضهم اللباس الديني(الحجاب أو اللباس الديني)، وانخرطوا في الدعوة ، لكن السؤال يبقى: هل الفن ذنبٌ يحتاج توبة؟ أم أن التوبة هنا هي في الحقيقة رفض لشكل معين من الفن استعراضيا كان، أوتجاريا،أو مبتذلا وليس للفن ذاته؟ وثانيًا: من هو الفنان الإنساني؟ ففي سبيل تعريفه هو ليس بالضرورة من يُطلق عليه هذا الوصف في الإعلام.فهو ذلك الذي يُجسّد هموم الناس البسطاء في فنه،هو من يرفض استغلال فنه لأغراض سياسية أو تجارية ضيقة، هومن يعيش خارج دائرة الضوء ببساطة، وهو من يدعم المحتاجين دون ضجيج. وهو من يدافع عن القيم الإنساني كالعدالة،والحرية، والكرامة حتى لو كلّفه ذلك خسارة شعبيته.
فالإنسانية هنا ليست شعارًا، بل ممارسة يومية،داخل العمل الفني وخارجه.وهناك أمثلة تاريخية وواقعية منها فنانون أعلنوا التوبةفي المغرب ومصر وتونس، وغادر عدد من المطربين الساحة بعد فتاوى تحرم الغناء، أو بسبب ضغط عائلي، وبعضهم عاد لاحقًا، مبررًا ذلك بـالخطأ في الفهم، مما يطرح تساؤلات حول صدقية التوبة كاختيار حرّ.وفي مجال الأدب،هناك كتاب تخلّوا عن كتابة الرومانسيةأوالعنف بعد أزمات شخصية،واتجهوا للكتابة الروحية أو الفلسفية،وهناك كذلك فنانون عُرفوا بإنسانيتهم مثل المشمول برحمته والذي فقدناه هذه الأيام،الأستاذ عبد الهادي بلخياط ،فهو لم يُعلن توبة، لكن فنه كان ذكرا وشكرا بالدارجة وبالعربية،غنّى للوالدين، للحب الطاهر، للحزن الصادق. ولم يغنِ للجسد، بل للروح. وكذلك الفنان المبدع مارسيل خليفة الذي جسّد القضية الفلسطينية في عوده، ودفع ثمن مواقفه السياسية.وهناك الفنانة فيروز التي رفضت أن تُستخدم أغانيها في الإعلانات التجارية، وحافظت على وقارها الفني طوال حياتها. كل هؤلاء وغيرهم لم يقولوا:نحن فنانون إنسانيون، لكن أفعالهم صنعت لهم هذا اللقب.لهذا فلنقد فكرة التوبة من الفن نبدأه بالقول : أن الفن ليس خطيئة والتوبة تُطلب من الذنب، لا من الإبداع ، فعندما يُطلب من الفنان أن يتوب، بينما لا يُطلب من رجل الأعمال أو السياسي أن يتوب عن استغلاله أو فساده، فإننا نمارس ازدواجية أخلاقية. فالفن قد يكون مرآةً للواقع، حتى لو كان الواقع قبيحًا.فهل نكسر المرآة لأنها تعكس القبح فالإنسانية جوهر لا صورة.
فاليوم يُستخدم مصطلح “إنساني” كوسيلة تسويقية. فنانون يظهرون في صور مع أطفال فقراء، ثم يعودون لقصورهم.فالإنسانيةالحقيقية لا تحتاج كاميرا.وهي لا تُعلن،بل تُعاش.لهذا من حقنا أن نتساءل : هل نفصل الفن عن الفنان؟
هل نستمع لأغنية جميلة لمغنٍّ متورط في عنف أسري؟ هل نشاهد فيلمًا عبقريًّا لمخرج عنصري؟ الإجابة معقدة. لكن الأهم هو: أن نُعلّم الجمهور أن يُقدّر الفن دون تقديس صانعه. فالفن يمكن أن يُلهم حتى لو كان صانعه معيبًا.لكن ذلك لا يبرر المعيب.ونختم فنقول ونحو فهم أعمق للفن والإنسان، فالفنان ليس ملاكًا ولا شيطانًا. هو إنسان، يخطئ ويُصلح، ينحرف ويعدّل مساره، يُحبّ ويُخطئ في الحب.
وبدل أن نصنّفه إلى “تائب” أو “خاطئ”، أو “إنساني” أو “غير إنساني”، علينا أن ننظر إلى فنه كـحوار مفتوح مع الإنسانية فالفن الحقيقي لا يحتاج توبة، لأنه في جوهره توبة مستمرة: توبة عن الكذب، وعن الزيف، وعن الصمت على الظلم. وقد يكون عبد الهادي بلخياط رحمه الله، ذلك الذي غنّى للوطن وللحرية بدموع صادقة خير مثال على أن أعظم فنان هو من لا يُعلن توبته، لأنه لم يحتج إليها أصلًا.فالفنان مثل المرحوم عبد الهادي بلخياط لا نسأل عما فعل وعما لم يفعل ،بل نسأل أنفسنا عما يجعلنا نشعر به. فنشعر بالإنسان فينا،فقد أدى رسالته رحمه الله سواء تاب أم لم يتب. قال تعالى:” إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ”
تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى