رأي

حركة التنوير من تحريف القرآن إلى هدم الدين (2/1)

بقلم أحمد الشقيري الديني

نريد خلال هذا المقال تفكيك الخطاب التنويري اللاديني من خلال تحليل آخر حوار لأحد أبرز وأشهر نشطاء هذا التيار المعادي للدين، وهو عادل عصمت الذي قدم في هذا الحوار على اليوتوب تحت عنوان: (الإسلام الموازي: كيف اختطف الخطاب التراثي جوهر الدين ) معطيات وافية وأجوبة واضحة عن مشروع تجديد الخطاب الديني الذي تسعى إليه حركة التنوير لتحديث المجتمع العربي: يحدثنا فيه عن آليات التجديد، وأهدافه، والأسباب الداعية له، ومن المؤهل للقيام بمهمة التجديد، وماهي أدوات تنزيل المشروع..؟!
يقول عادل عصمت : (د.11و53) ” الطبقة المثقفة في الوطن العربي التي اطلعت على مشروع التنوير من محمد أركون إلى محمد شحرور وقدمت رؤية جديدة، هي المؤهلة اليوم لتقول: هذا الموروث مخالف للقرآن..!”
ثم يضيف :(شخصيا كتبت أكثر من 300 مقال في الموضوع لم يعترض الأزهر على واحد منها”!!)
فماهي حركة التنوير هذه؟!
وما أهدافها وإكراهاتها؟!
أطلق هذا المصطلح في أوروبا قبل قرنين على فلاسفة الأنوار وإنتاجهم الفكري ، فهي حركة فكرية أوروبية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، تم فيها دمج الأفكار المتعلقة بالله والعقل والطبيعة والإنسانية في رؤية عالمية حظيت بقبول واسع في الغرب وأدت إلى تطورات ثورية في الفن والفلسفة والسياسة..
وتجد هذه الحركة التنويرية جذورها التمهيدية في “الإصلاح الديني” الذي ظهر في أوروبا في القرن السادس عشر مع مارثن لوثر، حيث كسرت احتكار الكنيسة الكاثوليكية لتفسير النصوص المقدسة، ونادت بفردانية الإيمان، مما أدى إلى إعلاء مكانة العقل، وتعزيز الفردانية، وتمهيد الطريق للعلمنة، وحرية التفكير التي بُنيت عليها مبادئ التنوير لاحقاً.
العلمانيون العرب يجتهدون في تنزيل مشروع تحرر أوروربا من قيود الكنيسة على الواقع الإسلامي العربي، رغم أن الظروف مختلفة جذريا، لأن الإسلام لم يدخل قط في صراع مع العقل أو الكشوفات العلمية، كما أن رجاله الفقهاء لم ينسبوا لأنفسهم أي قداسة تؤهلهم للوساطة بين الله وعباده كما زعمت الكنيسة في أوروبا.
يقول عادل عصمت(د.36و45): “منذ سنة 2017 وأنا أستخذم أدوات شحرور وأبسطها للناس من أجل نشر هذه القراءة الجديدة التنويرية ..
فالإصلاح الديني في أوروبا كان هو المنطلق لكل التقدم والإنتاج الفكري الذي غير البنى الفكرية السائدة آنذاك”!
يؤكد ضيفنا في هذا الحوار أن دوافع إعادة النظر في القراءة الثراتية السائدة للنص الديني متعددة:
فهي أولا: (قراءة أنتجت الإرهاب الذي دمر المنطقة وأصاب مؤسسات الدولة ومزق المجتمع، وأدى إلى أزمات ومشاكل، وضرب السلم الأهلي).!.
والحقيقة أن القراءة الثراتية للنص الديني على حد تعبير التنويريين، غير مسؤولة البتة عن الإرهاب وتداعياته المحلية والعالمية، فهذه التهمة عارية عن الصحة لأن هذه القراءة القائمة على الإنتاج الفقهي منذ قرون لم تنتج سابقا الإرهاب المدمر للدول والمجتمعات، بل كانت محركا قويا لدفع العدوان الخارجي والاحتلال الأجنبي وتشجيع البحث العلمي و التصدي للغزو الفكري.
لكن لما حصل في العقود الثلاثة الأخيرة بروز تشابك مصالح دول عظمى بمصالح أنظمة محلية، رأت فيه جماعات دينية متشددة تكفيرية، شكلا من أشكال الظلم والاستغلال، فكان أن استدعت بعض الفتاوى القديمة التي عالجت سياقا مختلفا، مثل ظروف الغزو التتاري، فأسقطتها على واقع بلادها، فخرجت نموذجا تفجيريا تكفيريا يضرب الأمة فاجرها ولا يتقي برها..!
فالنقد العلمي يجب أن يتوجه لهذا النموذج، لا إلى أصول الإسلام وأركانه وقواعد فهم واستنباط أحكامه، كما تزعم القراءة التنويرية المعاصرة..!
يقول عادل عصمت (د.57و30): “الغلط وقع لما وضعنا ثقتنا في المؤسسة الدينية حتى اصطدمنا بهذا الدمار..”!
بينما الحقيقة التي تؤكدها التحقيقات بشأن العمليات الإرهابية نصب كلها في براءة المؤسسة الدينية من هذا المنتوج؛ وقودها لم يأت أبدا من أفراد تخرجوا من معاهد علمية أو مدارس عتيقة أو حركة دعوية أو مراكز دينية؛ بل معظمهم ثقافته محدودة تم استغلال جهله بالدين وشحنه بخطاب تحريضي صيره قنبلة موقوتة!
فالتنويريون من حيث لا يشعرون يستهدفون النموذج التقليدي الذي يحاصر التكفير والتفجير ويملك أدوات تفكيك خطابه العدواني لأنه خبير بمصطلحاته وفتاواه وأغلاطه العلمية.
يقدم التنويريون بديلا خطيرا من شأنه إشعال المنطقة وتهديد استقرار الدول، بديل يقوم على هدم أركان الإسلام وقواعده، وهو ما سنبسطه إن شاء الله في الحلقة الثانية من هذا المقال.
فالتنويري عادل عصمت يزعم (د.08و20 إلى د. 10) أن السردية الحالية عن الإسلام بخصائصه وأركانه وقواعده ومقاصده: “تم اختراعها منذ أزيد من 1000سنة لما اشتد الصراع السياسي واتسعت الفتوحات الإسلامية وضمت شعوبا مختلفة بثقافاتها المتعددة، مما اضطر الدولة الإسلامية آنذاك لاختراع سردية جديدة أداتها الفقهاء، والمحدثون الذين وضعوا ستة كتب في الحديث سموها صحاحا، وقالوا للناس هذه الكتب وحي ثان، وهذا الأخير ينسخ الوحي الأول الذي هو القرآن؛ والناس صدقت هذه الرواية فأمسى القرآن للرقية والبركة فحسب”!!
وعبر عن هذا البهتان “بأن القرآن رمي في البحر منذ 1000عام “، إلى أن جاء المفكر العظيم شحرور (الذي يلحن كثيراً في اللغة والقرآن كما تشهد لذلك مقاطع يوتيوب له لازالت متداولة) جاء لينفض الغبار عن المصحف ويخرجه في حلة جديدة بأدوات استنباط جديدة مخالفة لتلك الأدوات التي فرضها الشافعي(ت: 204هـ) على العقل الفقهي فيما زعموا أنها أصول الفقه”!
والشافعي بتعبير عادل عصمت (د.51) ” كان متأثرا بالتلمود بحكم نشأته بين اليهود في فلسطين قبل رحلته الى الجزيرة العربية، فأفكاره تلمودية”!
هكذا دون حياء يتهم إماما من أئمة الهدى بتبني الخرافات التلمودية ودسها في الثقافة الإسلامية.
ما توصل إليه التنويريون أنه حدث، بشكل من الأشكال منذ 1000سنة، تواطؤ بين السلطة من جهة، والمحدثين والفقهاء من جهة ثانية، لإخراج الدين في حلة جديدة بوحي ثان وأدوات تحصر الاجتهاد في ما يعزز هذا المسار بعيدا عن تعاليم القرآن الواضحة كما سيقدمها الاجتهاد التنويري بعد شحرور العظيم..(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)!
لا يحتاج هذا الكلام للنقد، فهو تزوير للتاريخ، وللحركة العلمية التي نشأت بعيدا عن أحضان السلطة ووقفت في وجه أي محاولة لتحريف الدين حتى ابتلي أعلامها الكبار وعلى رأسهم الأئمة الأربعة والإمام البخاري، ابتلوا بألوان من التضييق ما بين اعتقال وتعذيب ونفي ،لأنها جعلت من أسمى أهدافها التصدي لأي دخيل أو تحريف أو وضع أحاديث مكذوبة أو فتاوى على مقاس السلطان، وقعدت لذلك ضوابط مذهلة لتمييز المقبول من المردود، ثم جاءت بعدها عقول كبيرة، وقامات فكرية نزيهة، لتقوم بمراجعة دقيقة للثرات الفكري الإسلامي وللإنتاج الفقهي ونخله، فظهر أمثال الإمام الدارقطني، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن حزم، والحافظ بن حجر، والإمام ابن القيم، والإمام الشاطبي، والأستاذ محمد عبده وتلميذه العلامة رشيد رضا، والطاهر بن عاشور وأضرابهم، فقام هؤلاء العمالقة بعملية نقدية عميقة للثرات، وإعادة المركزية للكتاب والسنة، وتنقية ساحتهما من التدليس الباطني والانحراف الفلسفي والتعسف الكلامي والشطح الصوفي والتعصب الفقهي والتغريب العلماني..
فهل هؤلاء الجبال تواطؤوا على تتبيث السردية المزعومة حتى ظهر هؤلاء التنويريون الذين لو اجتمعوا على قراءة تراث ابن تيمية وحده، قراءته فقط، ما استطاعوا لذلك سبيلا، فضلا عن نقده، (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).
فماذا قدم التنويريون بديلا عن القراءة الثراتية السائدة؟
وما هي الأدوات التي أحدثوها للقراءة الجديدة للنص؟
وما هي الآلية التي يرونها مناسبة لتنزيل قراءتهم على واقع المسلمين لينتشلوهم من وهدة التخلف إلى علياء التقدم؟
كل هذا نتناوله بحول الله في الحلقة الثانية من هذه الدراسة النقدية.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى