رأي

المختار السوسي وفقه الترجيح في اختيار الأصلح للولاية العامة

الدكتور الحسن الباز

من خلال تجدد تعاملي مع تراث العلامة محمد المختار السوسي أكتشف من حين لآخر عبقرية الرجل وما يخفيه هدوءه ووضوحه وسلاسة أسلوبه من عمق في الرأي وبعد نظر في استشراف المستقبل، بناء على سعة أفقه العلمي في حقول معرفية متنوعة، وما تختزنه ذاكرته من وقائع تاريخية وأحداث معاصرة، مما أنضج تكوينه العلمي، وصقل شخصيته السياسية، بأشكال من الكفاءات والخبرات التي جعلته حريصا على نفع وطنه، وتسديد المشاريع التي تحقق نهضته واستقلاله وتحرره.
وسأقتصر في هذه العجالة على نموذج واحد مما يؤكد هذا الانطباع ويرسخ هذا الاستنتاج، عن لي وأنا أقرأ ترجمته لأحد فقهاء سوس ممن مارس القضاء في ظل السيادة الإسبانية على ثغر إفني وأيت باعمران في جنوب المغرب، هو الفقيه القاضي سيدي محمد بن عبد الله أوبلوش الباعمراني ( 1318-1379ه). وهو من شهداء زلزال أكادير سنة 1960. (انظر ترجمته في المعسول 10\232-238) ومعلمة المغرب 4\1364). وهي من تحرير ابنه الأستاذ عبد الحميد محيي الدين، المتقاعد من التدريس في كلية الدراسات العربية بمراكش.)
ويستهل المختار السوسي ترجمته بقوله:” هذا أحد رجالات سوس العلمية الآن، وفذ من الأفذاذ الذين تخرجوا من المدرسة (الإلغية)، وقد تكونت له هالة من الشهرة بعلمه وأدبه وتدريسه، ثم بتوليه القضاء في (إفني) سنين كثيرة.” (المعسول 10\232.)
أما الفقرة موضع الشاهد على ما نحن بصدده فهي قوله: ” وهو ممتع المجالسة؛ فقد جالسته مرارا وخبرت أحواله، واستشففت بواطنه. فظهر لي أنه في مسلاخه رجل لو يساعده الدهر دائما. وقد كان ممن ينبغي أن لا يهملوا بعد الاستقلال في تلك الناحية. لكنه هو وجميع أمثاله تمالأ الناس على نبذهم نبذ النواة ، محتجين بأن لهم أمس يدا مع المحتلين. وهو عذر واه، لأن الأمر إذ ذاك غير الأمر اليوم: فقد اقتضى الحال يومذاك أن يكون أمثاله ولا بد في منصات الأحكام. ولم يكن المحتلون من اختلال العقل بمثابة من لا يمشون في الحياة الواقعية شيئا غير مقبول. وحين اختاروا أمثاله في عقله وفي علمه وفي تؤدته، دل ذلك على أنهم لا يسرون كل التحطيم مرة واحدة .
ثم لما انقلبت الأحوال كان ينبغي للشعب أن يختار أمثاله الذين ليست لهم يد خفية في إعانة المحتلين بالجاسوسية لمزاولة الأمور، لأنهم أدرى بها لدربتهم.
وأما إلقاء أمثاله في زوايا النسيان، والإتيان بأناس سذج لما يجربوا الأمور، فإن ذلك من خطل الرأي وخطإ العمل. وسيندم الناس على هذا بعد قليل، وقد نبهنا على هذا، ولكن لا يطاع لقصير أمر.” (المعسول 10\234-235.)
وهذا النص يغري بأكثر من استنتاج في مجال السياسة الشرعية وتدبير الشؤون العامة، سواء في نطاق الشرعية الدينية أو المرجعية الوضعية الكونية، لما يعطيه من ثقل واعتبار للكفاءة والخبرة في تدبير شؤون الناس الإدارية والقضائية وتقدير السوابق المتراكمة في نطاقات جوهرية من العمران البشري والسنن الكونية لتعلقها بالإنسان، وتقاطعات كيانه الاجتماعي، وتشابكات أبعاده المادية والمعنوية والوجدانية. ولا تغني في تدبير التزاماته واستيفاء حقوقه وحقوق المجتمع مجرد النصوص القانونية والقيم الخلقية والوصايا الوعظية. بل لا بد من مقاربة تكاملية، تشكل العروةَ الوثقى منها كفاءةُ الفاعل العام وأمانتُه، سواء كان مشرعا أو إداريا أو قاضيا أو مستشارا ومفتيا.
ولتقدير ما قرره العلامة محمد المحتار السوسي في النص السابق نستحضر الركنين اللذين اشترطهما علماء السياسة الشرعية في المرشح لتولي أي ولاية أو سلطة عامة، سواء كانت تشريعية أو قضائية أو تنفيذية أو تقويمية رقابية، وهما الكفاءة والأمانة، وعبروا عنهما أحيانا بالقوة والعدالة.
وقد يضعف أو ينعدم أحد الركنين في مرشح ما أو أكثر بدرجات متفاوتة فيلجأ المجتهد إذذاك إلى منهج الترجيح بين المصالح والمفاسد أو المضار والمنافع، فيقدر حجم المصلحة الراجحة التي ستتحقق بتولية مرشح معين ولو كان هناك احتمال ترتب مفسدة معينة من ولايته، لضعف توفر ركن من الركنين السابقين فيه، فيقدم في كل ولاية الأرجى لتحقيق مقاصدها وجلب المصالح فيها ودرء المفاسد عنها.
وللفقهاء في ذلك إجراءات وقواعد منها: اختيار الأمثل فالأمثل عند تعذر انتقاء الأصلح، والنزول عن المثل الأعلى إلى الواقع الأدنى للضرورة.
ومن الإشارات الطريفة ذات الدلالات القوية بهذا الصدد ما ورد في مذكرات الفقيه محمد بن أحمد المانوزي ( 1306- 1365ه) ( انظر المعسول 3\242-421). فرغم أنه صور في بداية مذكراته مكانة الفقيه في سوس وفي تاريخ المغرب على العموم، ومما ختم به هذا التصوير قوله: “هكذا كانت نواميس العلماء من زمن بني تاشفين في القرن الخامس إلى القرن الرابع عشر تقريبا، فلا يبالون في أحكام الله وأوامره لسلطة سلطان، ولا لشوكة ظالم غاشم شيطان، فأحرى من دونهم، بل هم بالعلم أئمة الخاصة والعامة، أرباب الأحكام والسيوف والأقلام.” إلا أنه في سياق التأريخ للظروف التي قامت فيها حركة الشيخ أحمد الهيبة، الذي قاد مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجنوب مباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، ينبه إلى التمايز الموجود بين حملة العلم الشرعي وما عهدوه في مدارسهم ومحيطها من انشغالات محدودة وآفاق ضيقة، وبين القادة والرؤساء المحليين والجهويين، وما عرفوا به من دهاء وحنكة. وقد كان هو نفسه ممن انضم إلى حركة أحمد الهيبة. وعند مشاركته في التشاور مع بعض العلماء في كيفية نظام قبائل الجبال والتولية عليها استعدادا للانطلاق إلى مقاومة الاستعمار الفرنسي، “فقالوا: رأينا أن نولي على كل قبيلة عالما منها لنكون مستندين على الحق، فقلت لهم: الرأي بل تتركون ذوي الرئاسات والبيوتات الكبار على ما هم عليه من قبل، وتعززونهم بالولايات. وأما الطلبة فمنهم من لا يصلح إلا للأكل والشراب والعبادة، بل أكثرهم بله مغفلون، لا تقبل شهادتهم، وإن كانت ترجى بركتهم، كما قال أيوب السختياني رضي الله عنه: من أصحابي من أرجو بركته، ولا أقبل شهادته. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يولي دهاة الصحابة مثل عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان ..وأبي عبيدة الثقفي وغيرهم، مع حضور كثير من الصحابة السابقين أهل بدر.” ( المعسول 3/ 372، وانظر الرحلة المانوزية لمحمد بن أحمد المانوزي، تقديم ودراسة الدكتور إبراهيم أعراب، ط1، دار الأمان، الرباط، 2015، ص 303.)
وما أجدر من يهمه الأمر بإيلاء العناية لاستحضار هذا الفقه وتنزيله على وقائع متجددة تستفز ذوقنا العام من حين لآخر، وتضيع علينا كثيرا من المكتسبات التي تهم شؤوننا العامة ومستقبل أمتنا ورسالتها الكونية والحضارية.
وجلي في الدلالة على ذلك ما نلحظه مما يتكرر كثيرا من إسناد حقائب تدبيرية ذات شأن وخطورة على مستقبل الوطن ومساراته الجوهرية السياسية الكبرى، إلى أسماء ستسقط عند الاختبار الأول لو عرضت مؤهلاتها العلمية وخبراتها المهنية وكفاءاتها الخلقية على ما اشترطه علماء السياسة الشرعية من القوة والكفاءة والأمانة في المرشح للولايات العامة، أو ما قرره منظروا الفكر السياسي وترسخ في تاريخ النظم السياسية والعلوم الإدارية من النماذج المثالية لرجل السياسة والتدبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى