افي زمنٍ يُحتفى فيه بالسرعة أكثر من العمق، وبالانتشار أكثر من التأثير، لم يعد الكلام الثقافي حكرًا على الفلاسفة أو المؤرخين أو المبدعين الحقيقيين. بل صار متاحًا لأيّ كان أن يدلي بدلوه في “ما بعد الحداثة”، أو يفسّر نيتشه عبر منشورٍ مرفق بصورة شروق الشمس، أو يُطلِق أحكامًا قطعية عن “الجندر” دون أن يكون قد قرأ سيمون دي بوفوار أو جوديث بتلر. هذا ليس انفتاحًا ثقافيًّا بقدر ما هو انزياحٌ خطيرو انتشارٌ كميّ هائل لخطابٍ يدّعي الثقافة لكنه يخلو من جوهرها. نسمّيه: الثرثرة الثقافية.
ليست الثرثرة هنا مجرد كلامٍ فارغ، بل هي حالةٌ مرضية في البنية الثقافية المعاصرة، تتمثّل في إنتاج خطابٍ يُشبه الثقافة شكليًّا، لكنه يفتقر إلى التحليل، إلى السياق، إلى الالتزام الفكري. هو كلامٌ يُنتَج للاستعراض، لا للتفكيك؛ للترويج الذاتي، لا للحوار النقدي.
جذور فلسفية: من هيدغر إلى عصر المحاكاة
يعود النقد الفلسفي لهذا النوع من الخطاب إلى مارتن هيدغر، الذي وضع “الثرثرة” كأحد أوجه “الوجود غير الأصيل” في كتابه *الكينونة والزمان*. فالإنسان، حين يكتفي بنقل ما يُقال دون تمحيص أو اختبار وجودي مباشر، يفقد علاقته الحقيقية بالمعنى. الكلام يصبح تقليدًا آليًّا، لا تعبيرًا عن فهم.
وفي القرن العشرين، طوّر أدورنو وهوركهايمر هذا التشخيص ضمن إطار “صناعة الثقافة”، حيث تتحول الثقافة إلى سلعةٍ تُنتَج جماهيريًّا لتلبية رغبات السوق، لا لتنمية الوعي. والنتيجة؟ خطابٌ ثقافي “معلّب”: سهل الهضم، جذاب بصريًّا، لكنه فارغ من أيّ قدرة على التحريض أو التغيير.
أما في عالم اليوم، فقد يبدو أن جان بودريار كان الأكثر بصيرة حين تحدث عن “عصر المحاكاة”، حيث تختفي الحقيقة خلف طبقاتٍ من الرموز.
والثرثرة الثقافية هنا ليست فقط كلامًا فارغًا، بل تقليدًا للثقافة: أفرادٌ يتقمّصون أدوار المثقفين، يستخدمون مصطلحاتهم، ويشاركون في طقوسهم، دون أن تكون لديهم علاقة فعلية بما يقولون. إنها مسرحة الثقافة، لا ممارستها.
مظاهر معاصرة:
لا يصعب رصد هذه الظاهرة:
فعلى وسائل التواصل صفحات تنشر اقتباسات من فوكو أو جبران منزوعة من سياقها، مرفقة بشعارات عامة مثل “كن نفسك” أو “فكّر بحرية”.
وفي الإعلام: حوارات تلفزيونية تتكرّر منذ عقود حول “أزمة الثقافة”، دون تشخيص جديد أو حلول مقترحة.
وفي الأوساط الأكاديمية: مؤتمرات تُدار كعروض اجتماعية، تُقصى فيها الأصوات الجادة لصالح الأسماء المعروفة، وتُكرّر فيها الخطابات نفسها دون تجديد.
وفي الإنتاج السريع: كتب ومقالات تُكتب على عجل لمجاراة “الترند”، وتُستخدم مصطلحات نظرية بشكل عشوائي، وكأن الثقافة أصبحت لعبة كلمات.
وفي التسييس الزائف: استخدام الخطاب الثقافي كأداة للتموضع السياسي دون التزام فكري حقيقي، أو ادعاء التقدمية عبر شعارات جاهزة لا تُترجم إلى ممارسات فعلية.
و بين الدفاع والنقد ، قد يُجادل البعض بأن هذا الخطاب، رغم سطوحيته، يفتح بوابة دخول للجمهور إلى عوالم كانت يومًا حكرًا على النخب. وقد يكون صحيحًا أن بعضًا من هذا الضجيج يوقظ فضولًا أوليًّا قد يتطوّر لاحقًا إلى التزامٍ أعمق. لكن هذا المكسب الجزئي لا يمحو الخسائر الجوهرية كتشويه المفاهيم، وتشويش الوعي، وإقصاء الأصوات التي تكتب بعمق لصالح من يجيد التسويق الثقافي.
والأدهى أن الثقافة تتحوّل من وسيلةٍ لفهم العالم ونقده إلى مجرّد زينة رمزية، تخلق لدى الفرد وهم المشاركة الثقافية لمجرد مشاركته منشورًا أو تعليقًا.
مخارج ممكنة
ليس هناك طريق سحري، لكن المخارج تبدأ من الداخل:
بالعودة إلى القراءة العميقة: فلا بديل عن قراءة النصوص الأصلية للمفكرين، لا اقتباساتهم المنزوعة من سياقها.
بربط النظرية بالممارسة: فالأفكار لا تكتسب معناها إلا حين تُجسّد في الواقع.
بالنقد الذاتي المستمر: بأن نسأل أنفسنا دائمًا: هل كلامنا يضيف شيئًا جديدًا؟ أم أنه مجرّد صدى لما يُقال؟
وكذلك بدعم المشاريع الثقافية الجادة: بالقراءة، والحضور، والتمويل، لا فقط بالإعجاب والمشاركة الرقمية.
واخيرا بالتربية الإعلامية: وتعليم الجمهور كيف يميّز بين الخطاب العميق والخطاب الاستعراضي.
خاتمة: الثقافة ليست ضجيجًا
الثرثرة الثقافية ليست مجرد “كثرة كلام”، بل هي عَرَضٌ لمرضٍ أعمق في البنية الثقافية المعاصرة: مرض التسطيح، والاستهلاك، وانفصال الخطاب عن الحياة. والعصر الرقمي، رغم ما فتحه من أبوابٍ أمام تداول الثقافة، عرّضها أيضًا لخطر التفريغ من معناها.
ولعلّ المخرج يكمن في الجمع بين الانفتاح على التنوّع الثقافي والتمسّك بالعمق النقدي، حتى لا تتحوّل الثقافة من وسيلةٍ لفهم العالم إلى مجرّد ضجيجٍ إضافيّ في فوضى العصر.
تحياتي




