الإسلام وهويات الشعوب (سلسلة مقالات) المقال الأول: مقدمة في الموجبات:
بقلم: أ. د عبد الكبير حميدي

موضوع الإسلام وهويات الشعوب، من القضايا الفكرية والحضارية المركزية التي استأثرت باهتمام الباحثين في مجالات الفكر الإسلامي، وعلم الاجتماع الثقافي، والدراسات الحضارية، لما ينطوي عليه من إشكاليات عميقة، تتصل بطبيعة العلاقة بين الدين والهوية، وحدود التفاعل بين الثابت الديني والمتغير الثقافي. فالإسلام، بوصفه رسالة عالمية ذات أبعاد عقدية وتشريعية وأخلاقية، لم يرتبط منذ نشأته بإطار عرقي أو قومي ضيق، بل توجه إلى الإنسان من حيث هو إنسان، داعيا إلى قيم التوحيد والعدل والكرامة الإنسانية، في الوقت الذي انفتح فيه على تعدد البيئات والثقافات التي انتشر فيها عبر التاريخ.
وقد أسهم هذا الطابع العالمي للإسلام في تشكل نماذج متنوعة من الهويات الإسلامية، حيث تفاعلت المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية مع الخصوصيات اللغوية والثقافية والاجتماعية للشعوب، فنتج عن ذلك تنوع حضاري غني لم يلغ الهويات المحلية، بل أعاد توجيهها وصياغتها ضمن إطار قيمي جامع. ومن هنا، فإن الهوية في السياق الإسلامي لا تفهم بوصفها نقيضا للانتماءات الثقافية أو الوطنية، وإنما باعتبارها فضاء تكامليا تتداخل فيه المرجعية الدينية مع الموروث التاريخي والواقع الاجتماعي.
وتكتسب دراسة العلاقة بين الإسلام وهويات الشعوب أهمية خاصة في ظل التحولات المعاصرة التي تشهدها المجتمعات الإسلامية، وما تفرضه العولمة الثقافية، وصراعات الهوية، وإشكالات الاندماج والتحديث، من تحديات فكرية ومنهجية. إذ يبرز التساؤل حول مدى قدرة الإسلام على الاستمرار كمرجعية جامعة تحفظ خصوصيات الشعوب، دون الوقوع في الانغلاق أو الذوبان الثقافي، وهو ما يستدعي مقاربة علمية متوازنة تراعي السياق التاريخي والنصي والواقعي معا.
وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه السلسلة من المقالات إلى تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الإسلام وهويات الشعوب، من خلال تحليل أسسها النظرية، واستجلاء تجلياتها التاريخية، وبيان آفاقها المعاصرة، بما يسهم في تعميق الفهم العلمي لهذا الموضوع، وتجاوز القراءات الاختزالية التي تختزل الإسلام في نموذج ثقافي واحد، أو تنظر إلى الهوية الدينية بوصفها عائقا أمام التعدد والتنوع.
هذا، وتنبع أهمية البحث في موضوع الإسلام وهويات الشعوب من جملة من الموجبات العلمية والفكرية والحضارية، التي تجعل منه مجالا بحثيا ملحا وراهنيا، في السياقين الاجتماعي والأكاديمي:
ويأتي في مقدمة هذه الموجبات الحاجة إلى فهمٍ علمي دقيق لطبيعة العلاقة بين الإسلام، بوصفه منظومة عقدية وقيمية عالمية، وبين الهويات الثقافية والاجتماعية المتعددة التي تشكلت في إطار انتماء الشعوب إليه عبر التاريخ.
ومن أبرز دواعي البحث شيوع تصوراتٍ اختزالية تقدم في بعض الخطابات الفكرية والإعلامية، تصور الإسلام على أنه عامل توحيد قسري يفضي إلى طمس الخصوصيات الثقافية والهويات المحلية، أو على النقيض من ذلك، تحمله مسؤولية التمزق الهوياتي والصراعات الثقافية في المجتمعات الإسلامية. وهو ما يستدعي مقاربة علمية موضوعية تعيد تفكيك هذه التصورات، وتبين حقيقة التفاعل التاريخي بين الإسلام وثقافات الشعوب في ضوء المصادر الشرعية والمعطيات الحضارية.
كما تبرز موجبات البحث في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، ولا سيما ما تفرضه العولمة الثقافية من تحديات تمس الهويات الدينية والوطنية، وما يصاحبها من إشكالات الاندماج، والاغتراب الثقافي، وصراع المرجعيات. إذ أصبح سؤال الهوية من أكثر الأسئلة إلحاحا في المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يجعل دراسة دور الإسلام في حفظ التوازن بين الانفتاح الحضاري وصون الخصوصية الثقافية ضرورة فكرية ومنهجية.
ويضاف إلى ذلك، أن التراث الإسلامي التاريخي يقدم نماذج ثرية ومتنوعة للتعايش بين المرجعية الإسلامية والهويات المحلية، وهو ما لم يحظ بعد بما يكفي من الدراسة التحليلية المقارنة التي تبرز آليات هذا التفاعل، وحدود الثابت والمتغير فيه. ومن ثم، فإن البحث في هذا الموضوع يسهم في إغناء الدراسات الحضارية، وتصحيح المسارات الفكرية التي تتعامل مع الهوية الإسلامية إما بوصفها كيانا جامدا، أو باعتبارها معطى قابلا للذوبان الكامل.
بكلمة، فإن هذا البحث يكتسب مشروعيته العلمية من سعيه إلى تعميق الفهم النظري للعلاقة بين الإسلام وهويات الشعوب، والمساهمة في بناء رؤية متوازنة تدرك عالمية الإسلام من جهة، وتحترم خصوصيات الشعوب من جهة أخرى، بما يفتح آفاقًا جديدة للحوار الحضاري، ويعزز الوعي بالهوية في مواجهة التحديات الراهنة.




