رأي

حركة التنوير من تحريف القرآن إلى هدم الدين: (2/2)

احمد الشقيري الديني

في الجزء الأول من هذا المقال عرفنا حركة التنوير بجذورها الأوروبية، واقترحنا نموذجا لتفكيك الخطاب التنويري اللاديني في الوطن العربي، حوار أحد أبرز نشطائه المسمى عادل عصمت في حوار على اليوتوب تحت عنوان:(الإسلام الموازي كيف اختطف الخطاب التراثي جوهر الدين)..!
فالتنويريون عندنا يقدمون أنفسهم باعتبارهم مستنقدون الدين الإسلامي من مختطفيه الذين بزعمهم اخترعوا دينا موازيا، يستدعي وحيا ثانياً يسمونه السنة النبوية؛ فهدفهم المعلن هو إسقاط القراءة الثراتية السائدة للنص الديني، والعودة إلى القرآن الكريم باعتباره الوحي المعصوم الوحيد الذي تعبدنا الله به، وهذه العودة التي يبشر بها ملاحدة العرب القابعون وراء “منصة مجتمع” تتم بأدوات المهندس محمد شحرور الذي قدم رؤيته التحريفية في عدة مؤلفات؛ أشهرها “الكتاب والقرآن” !
لقد تأكد ملاحدة العرب بعد صراع طويل مع الإسلاميين أن فكرة العلمانية يستحيل توطينها في مجتمعات دينية بطبيعة نشأتها، فكان لزاما العودة لتشويه معاني مصدر الدين نفسه والتشويش على جيل المستقبل الذي يتشكل وعيه فيما يلتقطه من هذه الوسائط الإلكترونية، فنحن إزاء محاولة لإعادة قراءة النص الديني بأدوات مختلفة عما قرره علماء الإسلام في أصول الفقه وأصول الحديث؛ أدوات تم إنتاجها عبر تراكم معرفي دام قرونا من الاجتهاد.
جعل التنويريون منطلقهم إنكار السنة النبوية، واختيار بعض النظريات اللغوية للتحكم في النص القرآني تقليدا للمهندس الماركسي محمد شحرور الذي وضع لهم قواعد، بعضها من كيسه وبعضها من الثرات بفهم مختلف عن استعمالات اللغويين؛ فكانت الحصيلة أن توصلوا لنتائج غريبة عن العقل الجمعي للأمة، مخالفة للأسس والأركان التي دأب عليها الفقهاء والأئمة الكبار وعموم المسلمين منذ بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكأن الأمة الإسلامية كانت في غيبوبة وضلال حتى جاد الزمان بهذه الحثالة التي أعادت قراءة النص بنظارات صنعت في مركز راند الأمريكي؛ وسنذكر بعض هذه النتائج الكارثية التي يقدمها العقل التنويري في هذا الجزء، وعلى رأسها:
*إسقاط أركان الإسلام الخمسة*:
يرى عادل عصمت(د. 54)، تبعا لشيخه شحرور، أن “أكبر جريمة ارتكبها التفسير الثراتي للدين ابتداع الأركان الخمس بدلا عن ثلاثة أركان منصوص عليها في سورة البقرة، وهي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح”، وهي الأركان المشار إليها في قوله تعالى: *(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)* ، فهذه الآية من سورة البقرة التي يدندن حولها التنويريون، ويستشهدون بها تنزيلا على واقع الطوائف الدينية من يهود ونصارى وجميع أهل الديانات الصحيحة أو الباطلة، على أنهم ناجون من العذاب، فهم ايضاً مسلمون ما أقاموا الأركان الثلاثة المشار إليها.
وهذا الزيغ في فهم القرآن مرده اتباع المتشابه منه، ولو ردوا الآية إلى المحكمات لفهموها على غير مرادهم.
تحدث القرآن عن ظلم اليهود وضلال النصارى، وارتكابهم المخالفات التي نهوا عنها فكانت سببا لغضب الله عليهم؛ واستثنى منهم الراسخون في العلم وهم الذين يومنون بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل على النبيئين من قبله ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويومنون بالله واليوم الآخر، فقال سبحانه في سورة النساء: *(فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا)*
وهذا كثير في القرآن؛ يتحدث عن فريقين من أهل الكتاب، فريق اتبع الحق ولم يكتم ولم يحرف كلمة الله وصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليهم، فهم مسلمون، وفريق آخر اتبع الباطل، وحرف كلمة الله، وكتم صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي بشرت بها كتبهم، فذمهم ولعنهم، وهم الكافرون؛ لكن التنويريون الملاحدة العرب لا يبرزون هذا الفرق ولا يميزون في أهل الكتاب بين المهتدي والضال، من كان منهم على الحق وصدق بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان في ضلال وكذب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وغرضهم من هذا الخلط والتحريف إرضاء الدوائر الصهيونية والصليبية التي ترعاهم، لأن المسلمين إذا اقتنعوا أن اليهود والنصارى إخوانهم في الدين، فلا معنى حينها للجهاد في فلسطين ولا معنى حينها لتحرير المقدسات..!
وكل هذا خدمة لأجندة الديانة الإبراهيمية التي تسوق لها الإدارة الأمريكية في مرحلة “الترامبية”.
هناك تحريفات أخرى توصل إليها العقل التنويري اللاديني ربما نتطرق إليها في فرصة أخرى بحول الله وقوته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى