تنبيه خطير وتحذير مبين لتاركي الصلاة المدرجين ضمن زمرة الصائمين.
من توقيع الفقيه عبد اللطيف بوعلام

لقد وردني سؤال استعجالي آنِيٌّ من أحد المستفسرين، وهم في جدال محتدِم عن حُكم من يصوم رمضان دون صلاة، فهل صيامه هذا مقبول وصحيح؟!
فأجبته والحيارى السائلين كاتبا ومقررا ما يلي:
مما لا شك فيه أن تارك الصلاة لا يصح منه صيام ولا زكاة ولا حج ولا عمل يتقرب به إلى ربه الذي فرض عليه الصلاة الشعيرة التواصلية بينه وبين خالقه ورازقه؛ لأن ترك الصلاة كفر، والكافر لا يتقبل الله منه أي عمل البتة، ودعك من تقسيم فلاسفة هذا العصر الميسِّرين من اعتبار تاركها مخندقا في الكفر العَمَلِي لا العَقَدِي بحجة ذلك التقسيم التعسفي من أنه: هناك كفر دون كفر، وذنب دون ذنب مُصنِّفينه في خانة العُصاة موكولا أمره لله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له..
لكن بالمقابل، فإن شعيرة الصلاة _ كما في العلم الابتدائي _ هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الإقرار بالشهادة، والصيام قد أتى في الركن الرابع.
إذاً؛ فالصلاة مقدَّمة على الصيام، وهي عمود الإسلام وسَنامه، ومستحيل أن يستقيم أي بناء بغير عمود.
والذي عليه الجمهور والأغلبية الساحقة من العلماء النحارير المشهود لهم بالكفاءة والاقتدار أن تارك الصلاة كافر مرتد مصداقا لقوله تعالى بسورة التوبة: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } (11).
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: { بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ}، ( الحديث رواه مسلم:82). { الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ }. ( الحديث رواه الترمذي:2621). وصححه الألباني في صحيح الترمذي (ص:87).
ولأجل هذا الوعيد ترى العديد من الناس يهرعون إلى المساجد في وقت مبكر لأداء صلاة العشاء مُشْفَعة بالتراويح لِعِلمهم واستيقانهم بأن الصوم إدامُه المحافظة على الصلاة.. لذا فعلى المصلين المداومين استقبال الزائرين بأريحية وإفساح المجال لهم ليستأنسوا بهذه الشعيرة، فيداوموا عليها إلى الممات..
لكن هناك _ مع كامل الأسف _ من يتأفف منهم ويلمزهم بالنفاق وزوَّار وعُبَّاد رمضان كأن المسجد مِلكه، وأن الله قد خوله حراسته،
فلنترفق بالناس، ولنكن دعاة بصدق ورفق لا قضاة حاكمين على الخلق بالزندقة والفسق.
ولو تعامل المداومون على صلواتهم والدعاة بالموعظة الحسنة واللين والملاطفة لَمَا وجدت من يستهين بهذه الشعيرة العظيمة..
بقيت لي ملاحظة أحببت بسطها على الأنظار، وهي وضع الجلباب أو السلهام أو السجادة أو قارورات الماء وراء أداء صلاة المغرب قصد حجز واستيطان الأمكنة المتقدمة.. ولم يعلم هؤلاء من أن نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم: ( نَهَى عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ ) الحديث حسن رواه أحمد وأبو داود.
والمعنى المراد أن يتخذ الرجل مكانا من المسجد لا يصلي إلا فيه سواء في رمضان أو غيره، والحكمة من ذلك أن العبادة في المكان نفسه فيها شيء من الرياء والشهرة، فقد يصلي في هذا المكان ليقال: هذا مكان فلان.
أضيفوا إلى ذلكم، فإنه بفعله هذا قد يمنع غيره من الصلاة في المكان المحتَجَز، وهذه عادة منتشرة كذلك في الحافلات والأماكن لتعليمها بورقة أو قبعة أو نحوها لأخذ دوره احتلالا للمكان الذي لا يملك ورقته…
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِله فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَدًا﴾ وفي الحديث:
«إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ».
وفي رمضان بالضبط يكثر السّباب واللعن، والمشاجرة في الطرقات… والأنكى فظاعة وجُرْما حتى في أماكن العبادة، وهي محرمة شرعا، ومن أشد المخالفات القوية لأن المساجد بيوت الله شُيِّدت خِصِّيصا لمناجاة الغفور الرحيم، والذكر لا للخصام ورفع الأصوات والعراك، فمن فعل ذلك، فقد انتهك حرمتها، وقد يصل به الأمر إلى الإثم العظيم. إذ الواجب يقتضي تعظيم المسجد وخفض الصوت وحل الخلاف خارجه باللين والاحتكام إلى العقلاء..
فاللهم اهدنا واجعلنا مهتدين، وحبِّب الصلاة للصائمين، واجعلنا والزائرين لأماكن العبادة من التائبين الآيبين لرب العالمين… آمين آمين.




