رأي

عندما يبكي الرجل السياسي :

بقلم محمد كندولة

البكاء كفعل سياسي:

لم يعد البكاء في المجال العام تصرّفًا شخصيًا خالصًا، بل أصبح أداة اتصال سياسية تحمل دلالات رمزية وعاطفية. فالرجل السياسي، باعتباره رمزًا للسلطة والعقلانية يُنظر إلى بكائه على أنه انزياح عن التوقعات الاجتماعية،مما يجعله حدثًا يستدعي التفسير والتأويل.

أولًا: البكاء السياسي في السياق الغربي :
ففي سياق التحوّل التاريخي وفي تمثيل الجانب العاطفي و في العصور الوسطى والأوائل الحديثة، كان البكاء علامة على الفضيلة المسيحية مثل بكاء الملوك تعبيرًا عن التقوى لكن مع صعود الدولة الحديثة والعقلانية التنويرية، سادت فكرة أن الرجل السياسي يجب أن يكون عقلانيًا، فتم تهميش العاطفة.لكن ومنذ أواخر القرن العشرين، ومع صعود السياسة العاطفية بدأ البكاء يُعاد تقييمه كوسيلة لبناء التعاطف الجماهيري : مثل بكاء بيل كلينتون أثناء حديثه عن معاناة الفقراء، وقد قرأها الإعلام كـ”إنسانية” وقرب من المواطن.وبكاء باراك أوباما علنًا بعد إطلاق النار على مدرسة ساندي هوك ، فاعتبره الجمهور تعبيرًا عن الأبوة الوطنية.

التفسيرات النفسية والاجتماعية:

البكاء كاستراتيجية تواصل:

يُستخدم لتفكيك جدار الرسمية وإظهار الهشاشة الإنسانية.
كما أصبحت الذكورة الجديدة لا تُقاس فقط بالصلابة، بل أيضًا بالقدرة على التعبير العاطفي المسؤول ، كما الإعلام الرقمي سار في اتجاه تضخيم هذه اللحظات، بمنحها زخمًا رمزيًا كبيرًا.

ثانيًا: البكاء السياسي في السياق العربي:
ففي الإطار الثقافي والديني في الثقافة العربية والإسلامية، البكاء ليس ضعفًا دائمًا؛ فقد ورد بكاء النبي محمد ﷺ، وبكاء الخلفاء الراشدين، كتعبير عن الخشوع، والرحمة، أو الحزن على الأمة. لكن في الممارسة السياسية الحديثة، لا يزال هناك توتر بين الذكورة التقليدية التي تربط البكاء بالضعف والوظيفة الرمزية للزعيم الذي يجب أن يكون عليها ، ومن الأمثلة البارزة بكاء صدام حسين الذي ظهر باكيًا في خطابات متلفزة أثناء الحروب، كوسيلة لإثارة العاطفة القومية وتصوير نفسه كـأب الأمة، و بكاء حسني مبارك عند خطاب التنحّي ، لكن الجمهور قرأه كـتمثيل متأخّر ومحاولة يائسة للاستعطاف.
ومن الامثلة كذلك بكاء القيادات الإسلامية مثل بعض الدعاة أو قادة حركات مشهورة حيث كانوا يستخدمون البكاء في الخطب كوسيلة لتأكيد الصدق الديني والعاطفة الإيمانية.

التفسيرات السيكولوجية والرمزية:

فالبكاء كخطاب مقاومة يظهر في سياقات الاحتلال أو القمع، حيث يصبح البكاء تعبيرًا عن الوجع الجمعي، كما يعبر عن التكافل العاطفي.و في المجتمعات ذات الروابط القبلية أو الدينية القوية، يُنظر إلى بكاء الزعيم كدليل على مشاركته هموم شعبه.لكن المفارقة الواضحة فقد يُدان البكاء إذا بدا مُفتعلًا، خاصة في ظل أزمة ثقةبين الحاكم والمحكوم.
ونلخص في الأخير لنقول إن البكاء مسرحية سياسية حيث يكون بكاء الرجل السياسي فيها ليس انفعالًا عفويًا فحسب، بل نصًا دراميًا يُكتب ضمن سياق ثقافي وسياسي محدّد في الغرب، ويوظّف لتعزيز الديمقراطية العاطفية؛ وفي العالم العربي، يُستخدم غالبًا كوسيلة لتعويض عجز الخطاب السياسي العقلاني أو لتعبئة المشاعر في لحظات الأزمات.
لكن في الحالتين، يبقى السؤال الأخلاقي: هل البكاء تعبيرٌ عن صدق، أم أداةٌ للتلاعب؟ والإجابة، كما يرى علماء الاجتماع، لا تكمن في الدموع نفسها، بل في السياق الذي تُسكب فيه، والسلطة التي تنتجها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى