رأي

كيف نعالج ظاهرة التشويش والصخب الذي يحدثها الأطفال بالمساجد وجنباتها عند صلاة التراويح.

بقلم الشيخ عبد اللطيف بوعلام

وهذا _ والله _ لتفريطٌ في الأمانة الملقاة على عاتق الوالدين، واستخفافٌ بحرمة شعيرة الصلاة.
فمما لا شك فيه أننا مطالَبون شرعا بتعويد أفلاذ أكبادنا على الذهاب إلى المساجد قصد ربطهم بخالقهم؛ إذِ الهدف من فِعْلِنا هذا هو غرس بذرة المحبة في قلوبهم تجاه بيوت الله تعظيما لشأنها وتوخيا في الاستدامة والمواظبة على أعظم شعيرة في الإسلام مناجاة لرب الأنام، ودليل تلك المرافقة ما ثبت في الصحيحين مِنْ أن الرسول ﷺ كان يصلي بالناس ويحمل أمامة بنت زينب رضي الله عنها، وكان لا يُطيل السجود رحمةً بصبيٍّ بكى، وثبت أيضا من أنه صلى الله عليه وسلم أطال في السجود حتى خاف الصحابة رضي الله عنهم، فرفع أحدهم رأسه للاطمئنان عليه، فوجد أحد حفيديه إما الحسن أو الحسين: ( ذو 3 أو 4 سنوات ) راكبا على ظهره، فعاد إلى سجوده، فلما فرغ من الصلاة سُئِل عن ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: ” إِنًّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَلَمْ أُرِدْ أَنْ أُسْقِطَهُ “.
قال الإمام الذهبي معلقا على هذه الواقعة: ” وفي هذا دليل وحجة على بعض الفقهاء المتنطعين القائلين بمنع الأطفال من ارتياد المساجد “، وكلامه هذا صدق وحق لأن أمر دخولهم مشروع ومُرغب فيه، ولكن شريطة تعليمهم الانضباط بالآداب الشرعية، ولا قياس للحَسنَيْن السيدين الأمجدين حفيدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بفِعلهما لأنهما بقيا جاثمين على ظهر جدهما، ونِعم المركب الذي رَكِبَاه، حيث لم يتخطياه إلى المصلين ركضا ولعبا وصياحا…
والحق يُقال إنني قد شاهدت هذه الأفعال المزعجة وغير المقبولة من أطفالنا بمسقط رأسي، وتنقلت في بعض المدن قاصدا بالضبط صلاة التراويح وراء قارئين مشهورين، فلفت نظري وجود مجموعة من الأطفال يجرون في الصفوف أمام المصلين مُحْدِثِينَ فتنة كبرى، وحولت رحلي إلى مسجد آخر لَعَلِّي أنعم فيه ببعض الطمأنية والسكينة، ولاحظت الشيء نفسه، وسألت بعض الإخوة في مُدن أخرى، فصرحوا لي بالفوضى التي يُحْدِثها البراعم من كلا الجنسين داخل المسجد وخارجه إلى درجة لعب كرة القدم بالفراغ المحاذي لأبوابه، ولطالما حذر العقلاء الغيورون على دين الله من تحوُّل بعض المساجد إلى ساحات لعِبٍ وصَخَبٍ وجريٍ ورفعِ للأصواتٍ المُذْهِبَةِ للخشوع، والْمُؤْذِيَةِ للمصلين، والمُشَوِّشَةِ على القارئين والذاكرين؛ ولكن تحذيرهم هذا لم يُجد نفعا. بل تضاعفت الأمور إلى حد لا يطاق؛ لذا نطالب ونلتمس من الإخوة والأخوات عدم اصطحاب أولادهم وبناتهم إلى المسجد إِنْ علموا أنهم سيثيرون الفوضى فيه، والأنكى الأفظع من هذا أن تجد الروائح الكريهة كرائحة البول والجوارب وبقايا الأطعمة إثر سجودك على الموكيط والزرابي؛ ذلك أن تعظيم بيوت الله واجب شرعي دون صَوْغِ الأدلة المثبتة لذلك، ومنها قوله الله تعالى بسورة النور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (36)، وقوله عز من قائل أيضا بسورة الحج: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَآئِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (32). ومن تعظيمها عدم تدنيسها، وعدم رفع الأصوات فيها، واجتناب اللغو والعبث، وتوفير الجو المناسب للخشوع حتى لا نكون سببا عن قصد أو غير قصد في الإذاية المباشرة للمصلين.
قال عليه الصلاة والسلام: « مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ ». الحديث رواه الطبراني، وحسنه بعض أهل العلم. وقال: « لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ ». (حديث حسن دارج على الألسن). فإذا كان إيذاء المسلمين في الطرقات محرَّمًا شرعا، فكيف بإيذائهم في بيوت الله وهم قائمون بين يدي ربهم لمناجاته؟! قال ﷺ بالحديث المتفق عليه: « إِنَّ أًحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ ».
إذًا؛ فالتشويش على المصلين وفتنتهم اعتداء صارخ على هذه المناجاة العظيمة.
والمسؤولية تقع _ دون مواربة وهروب من الحق _ على ولي الأمر لأن الطفل غير مكلَّف، ووليُّه _ أبًا كان أو أمًّا أو كافلا له _ مسؤول عن تصرفاته أمام الله إِنْ هو قصًّر في تربيته، وأي تقصير أعظم من أن ترسل طفلك إلى المسجد وتتركه يؤذي عباد الله في أعظم شعائرهم الصلاة؟! قال تعالى بسورة التحريم: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية (6). وقال ﷺ بالحديث المتفق عليه:
« كُلُّكُمْ رًاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهٍ». والحل يكمن في اصطحاب الطفل إلى المسجد وجعله بجانب والده أو عمه أو أخيه الكبير، وكذا الطفلة بجانب أمها أو أختها أو إحدى أقاربها قصد المراقبة والإرشاد.
أما إذا كان صغيرًا لا يضبط نفسه أو كثير الحركة والصخب، فبقاؤه في البيت أولى من الإتيان به حتى يبلغ سنًّا يُحْسِن فيه الأدب.
خلُصَ الكلام، واللبيب الفطِن الكيِّس بالإشارة من الفُهَّامِ يلتقطها بالمنام، وبه وجب الإعلام والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى