رأي

منتقد لا يقبل النقد: خطاب “تعميم الأحكام” للفايد ضد صلاة الجمعة

الدكتور محمد لكزولي استاذ وباحث

يُعدّ النقد ضرورة حضارية وعلمية، وأداة لتصحيح المسارات المجتمعية، غير أنه يفقد أدواته المنهجية حين يتحول إلى أحكام مطلقة، ليسقط في فخ ما يدّعي محاربته. في قراءة للخطاب الذي أثير مؤخراً، والذي يهاجم فيه د. فايد ممارسات يوم الجمعة بوصفها “شكليات دينية” وظواهر مظهرية فقط لا تعكس التدين الحق.
أولى الزلات التي تواجه القارئ لهذا النوع من الخطاب هي “الخطأ المعرفي الجسيم”. فالادعاء زوراً بأن صلاة الجمعة “ليست واجباً” يمثل مصادمة لما استقر عليه جمهور المسلمين جيلاً بعد جيل منذ البعثة الشريفة، ما يجعل البناء النقدي مهزوزاً؛ محوِّلاً إياه من “التحليل الرصين” إلى “رأي شخصي” يعتمد لهجة يقينية تفتقر إلى الإسناد المعرفي والتاريخي.
والملاحظ أيضاً سقوط من د فايد في مغالطة “التعميم غير المؤسَّس”، حيث يتعامل مع المسلمين ككتلة واحدة، ويختزل دوافع البشر وممارساتهم وأنماطهم الفكرية والمجتمعية والعلمية في دافع واحد هو “الرياء”. فتحويل الدين إلى طقوس ومظاهر، لا يعطيه الحق في اتهام كل من يحمل سجادة صلاة بالرياء.
أيضاً، قام فايد بطرح هذا التحليل مدعياً وجود صراع بين “قيمة العمل” و”أداء الجمعة”، وحكم على الدول الإسلامية بالقصور في تنظيمه وتنظيم وقته لأسباب اقتصادية، متجاهلاً تجارب المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية التي تُوفِّق بين الشعائر والإنتاجية. إِنَّ حصر الخيارات في “إما العمل وإما صلاة الجمعة” هو نوع من “المغالطة المنطقية” التي تتجاوز تعقيدات الواقع السوسيولوجي والروحي للمواطن.
لعل أخطر ما ورد في هذا النوع من الخطاب هو اتهام الممارسين بالمرض النفسي الخطير والمطالبة بإخضاعهم للتشخيص، مما يطرح سؤال استخدام التشخيص النفسي كأداة سجالية، ويعبر عن نزعة تميل إلى الإقصاء الرمزي لمجرد الاختلاف الفكري.
أما استعمال مفردات مثل “الجهلاء”، “المفسدون”، “المجرمون”، و”الكهنوت”، بلغةٍ انفعالية، وإن منحت قوة تواصلية، فإنها تزيل “البرودة التحليلية” الضرورية لإقناع المخالف بقوة الحجة. إن النقد القوي يحتاج إلى عمق الرؤية، لا إلى صوت صاخب.
لم تكن المشكلة يوماً في المظاهر الخارجية المصاحبة للصلاة عموماً، ولصلاة الجمعة أو الأعياد خاصة، بل في اختزال جوهر العبادة في قشورها، والعمق الروحي بالمظهر الخارجي، وفقدان بوصلة النقد الموضوعي المُوجِّه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى