المبطلات لشعيرة الصيام والمُحبِطات الحقيقية لأجره على الدوام.
بقلم الفقيه الشيخ المقرئ عبد اللطيف بوعلام.

عودة إلى الدروس الرمضانية الموعودة.
ملحوظة: الرجاء من الإخوة الذين يعيبون علي الإطالة والإطناب في تحبيك مقالاتي التي أسهر في واحدة منها عشر ساعات، فأكثر أن يعلموني وينبهوني عبر الواتساب لكي لا أرسل إليهم خواطري المزعجة.
كلامي هنا سينصب في هذه الصبيحة الفجرية على الفرق بين الصوم والصيام، والمبطِلات المثَبِّطات المُحْبِطات بحق لنيل ثواب هذه الشعيرة العظيمة.
بادئ ذي بدء: الصيام والصوم لغة هو الامتناع عن القيام بالفعل، وشرعا هو الإمساك بنية التَّعَبُّد عن شهوتَيِ البطن (الأكل والشرب) والفرج (أي: غِشْيان النساء بالليل)، وسائر المفطِرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
فباستقراء الآية القرآنية الدالة على فرْضية الركن الرابع في البناء الإسلامي سنجد أن الله عبر عنها بلفظة الصيام لدى قوله تعالى بالبقرة: ﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (183). والمعنى أن الله فرض على المؤمنين طبعا معهم المؤمنات شقائق الرجال في الأحكام قصد تحقيق مناط التقوى لدخول نعيم الجنة..
فبالإضافة إلى الفوائد المجتناة من الجوع والعطش الذي أثبت العلم الحديث نجاعته في إراحة المعدة للتخلص من السموم مصداقا لقول النبي صلَّى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى بالحديث الصحيح المشتهر درجا على الألسن: ” صُومُوا تَصِحُّوا “، فحين يجوع الإنسان لا يَضْعُفُ فقط كما يتصور العديد من الناس، بل يبدأ جسده في واحدة من أعمق وأعقد عمليات الإصلاح والالتهام الذاتي:
(Autophagy)
هذه العملية العجيبة التي لا يقدر على إجرائها إلا الخالق، فهي تشبه تدوير المخلفات: حيث يقوم الجسم بالتخلص من الخلايا الميتة، والتالفة، والمريضة،وحتى السرطانية منها ثم يحللها ويعيد الاستفادة من مكوناتها.
لكن الهدف الأسمى من فرضية الصيام هو إصلاح القلوب من أمراضها الفتاكة لتحصيل ثواب الجنة.
وباستقراء الآيات والأحاديث سنجد أن لفظة الصيام مخالفة لمفردة الصوم من ناحية المدة الزمنية المفروضة، فالصيام محدد بشهر رمضان، وبعض الأيام الخاصة بالنوافل المبارَكة عند الله، والصوم يكون طيلة حياة الإنسان صوما دائما عن المنكر والبهتان، ومن ضجيج الجدال العقيم، وأذى القول وصية من عند الله لمريم عليها السلام لدفع اتهامها بالبِغاء وعدم النقاء لدى قوله عز وجل بالسورة التي باسمها آمرا إياها بملاذ الصمت: ” فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا “.
أحياناً يكونُ الانسحابُ من ضجيج الجدال، وأذى القول إراحة للقلب وتعويده على التحلي بالصبر والهَجْر الجميل؛ ثم إن العباد مأمورون بالصوم عن الأفعال المحرمة والأقوال المشينة طيلة العمر؛ ومن لم يتقيد بذلك، فلا قيمة وأجر له في صيامه.
قال رسولنا صلى الله عليه وسلم بالحديث الصحيح مبينا ومحذرا من ضياع أجر الصيام كالهباء المنثور: ” مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهٍ حَاجَةٌ بٍأًنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ”. وقوله أيضا: “رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا السَّهَرُ “.
وفي هذين الحديثين تِبيان لجزاء من لم يُخْلٍصِ النية ويتجنَّبْ قولَ الزُّورِ والكَذِبِ، والغِيبةِ والغش والتدليس والرشوة والنصب والاحتيال ونَحْوِها مِن الْمَناهي الخطيرة التْرَمْضِينِيَّة التي تزداد في هذا الشهر إلى درجة سب الدين والذات الإلهية بأفظع النعوت؛ حيث تصل الجرأة ببعضهم إلى التصريح بقدرته على فعل الفاحشة برب الملكوت على مرآى ومسمع الحاضرين والمارين وخاصة بالأحياء القديمة الشعبية بدكاكينها لأجل الابتضاع، واقتناء الشهيوات التي يُرمى معظمها في الطرقات والحاويات.. ناهيكم عن الخصام والتنابز بالألقاب من بداية النهار إلى اقتراب المغرب لأخذ الباكيط الساخن إشهارا للسلاح الأبيض إرعابا للناس لاختراق الحشد دون اننظار الدور، فلا تسمع إلا ما يؤذي قلبك، ولا يصدقه عقلك، ويتحجَّجُون التماسا للعذر بأن فاعله (ة) مقطوع من الممنوعات.
أما قول الفُحش والتفحُّش في الكلام من كلا الجنسين وظاهرة اتخاذ الأخدان (التْصَاحِيبْ)، فلا حرج فيه لا في رمضان ولا في سائر الأيام _ إلا من رحم ربك _ فقد صار جاريا به العمل بكثرة في الطرقات، وبحنايا الإعداديات والثانويات، والجامعات، وتسرب عُضال سلوكياته المقززة إلى الابتدائيات تقليدا أعمى للكبار في عملية ” تَخْسَارْ الْهَضْرَة “، فهل هؤلاء وأولئك بالفعل صائمون؟!!! كلا، فليس لهم نصيب من الأجر سوى الجوع والعطش، ولا يَحصُلُ لهم الثَّوابُ قطعًا. والقائم هنا بالحديث المذكور المقصود به المُتَهجِّدُ بالصَّلاةِ في اللَّيلِ، فليس له مِن قيامِه إلَّا السَّهرُ والتعب والنَّصب جزاءً وِفاقا لسُوءِ نيَّتِه ونفاقه في صَلاتِه. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
” الصَّوْمُ جُنَّةٌ “. بضم الجيم أي: وقاية من المعاصي والكبائر يقي صاحبه من الانزلاق في هاوية الجرائم كلها من غِيبَة، ونميمة، وقتل، وكريساج، ورشاوي وكذب وخداع، وشهادة الزور، وغيرها من الموبقات المهلكات للعبد في الدنيا والآخرة.
وبعبارة أخرى أدق وأبلغ: الصوم مدرسة للأخلاق وضبط السلوك الإنساني وحَلِّ جذري للمشكلات الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية.
فلنتعلم جميعا من هذه المدرسة التي يترأسها رب العزة حُسن الخلق الرفيع للرقي بالمجتمع نحو الأفضل والسبيل الأقوم.
والسؤال الذي يتبادر للأذهان، ويخالج الوجدان:
” هل المجتمعات التي تدين بالدين الإسلامي قد حققت بالفعل هذا الرقي الإيماني؟!!! “. لمحكمتم واسع النظر في جني ثمار هذه الشعيرة الربانية صِحِّيًّا وسلوكيا لنحقق معا الفرحتين التكريميتين العظيمتين: فرحة عند فِطْرنا في الدنيا، وفرحة عند لقاء ربنا وجزائه لنا في الآخرة بدخول الجنة شفيعا ومشَفعا مطابقة لقول
رسول الله ﷺ بالحديث الصحيح:
« الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ». فاللهم اجعلنا من الصائمين بصدق، والتالين لكتاب الله على دور الأيام بحق، والانشغال به في رمضان أعظم أجرا عند مُنْزِلِهِ في هذا الشهر، وبالضبط في ليلة القدر: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ..﴾. ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ أي: إنَّا أنزَلْنا القُرآنَ في لَيلةِ القدر. وفقنا الله لتحصيلها ونيل أجرها، وبه تمام الكلام، وعليكم السلام.
ملتمس أخير، فإذا قرأت المضمون، فأرسله إلى أقربائك وأصدقائك لتعم الفائدة، ويثبت لك الأجر، والدال على الخير كفاعله.
كن هاني راني ما كنتخلصش من أي جهة لا دينية ولا سياسية، وليس همي التشهير بأي كان أو قصدي اللمز والهمز، بل انشغالي منصب على تحليل الظواهر المشينة عودة إلى الزمن الجميل زمن الحشمة والوقار وتزاور الأحباب والخلان، وتضامن الجيران تربية وإطعاما؛ إذ هدفي هو نشر الوعي الديني الواجب نصيحة أخوية للمسلمين والمسلمات توصيفا وعلاجا للحالات المَرَضية تحت شعار قول الهادي إلى الحق بإذنه:
(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ، فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن، وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ) و -{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} -{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا، أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} حرية اعتقادية لا إلزام وإكراه وحقد وبغض فيها.
رزقنا العلي القدير وإياكم بهذا العمل الخيري فسيح الجنات.




