أولا: مقدمة تمهيدية.
يُعدّ الرجل السياسي حجر الزاوية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وتتأثر قراراته وأداؤه بشكل كبير ببنية شخصيته وقيمه الأخلاقية والدينية.وفي المجتمعات الإسلامية، يُعتبر شهر رمضان والصوم ركناً أساسياً من أركان الدين. فإشكاليتنا تدور حول طبيعة العلاقة بين ممارسة الرجل السياسي لفريضة الصوم، وبين أدائه الوظيفي والأخلاقي فهل يُعدّ الصوم عامل تهذيب يعزز النزاهة؟ أم قد يتحول إلى أداة استغلال سياسي؟
أهمية الحديث في هذا الموضوع تأتي من نذرة الدراسات التي تربط بين العبادات الشخصية كالصوم مثلا والأداء العام في الحقل السياسي. كما أن فهم هذا التقاطع يساهم في بناء وعي ناخب ووعي سياسي يميز بين الإخلاص و الرياء السياسي.
ولهذا نهدف من خلال هذا الطرح توضيح الأبعاد التربوية للصوم وانعكاسها على سلوك رجل السياسة وتحليل تأثير الصوم على كفاءته في اتخاذه للقرار،
وكشف الممارسات السلبية لتوظيف الصوم في الدعاية السياسية،لنقدم في الأخير توصيات تعزز الجانب الإيجابي لهذه العلاقة. ولنبدا بالتذكير بمفهوم العام للصوم وأبعاده التربوية.
ثانيا مفهوم الصوم:
ونقول لتعريفه هو لغةً: الإمساك والكف ،وشرعاً هو عبادة الله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بنية التقرب إلى الله. قال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” فالغاية القصوى هي”التقوى”.كما له أهداف روحيةواجتماعية
كتزكية النفس و كسر حدّة الشهوات والسيطرة على الغريزة، فبه يتنامى الشعور بالآخرين بمعاينة الجوع والعطش اللذان يولدان تعاطفاً حقيقياً مع المحتاجين، وليس تعاطفاً نظرياً ، كما يساعد الصوم على الانضباط الذاتي فيتعلم الصائم الالتزام بمواعيد الإمساك والإفطار وفي هذا تدريب الإنسان على الالتزام بالوقت والنظام ، فالصوم مدرسة لضبط النفس والسياسة تتطلب هدوء أعصاب وضبطاً للانفعالات. فالصائم يتدرب يومياً على كظم الغيظ وعدم الرد على الاستفزاز، وهي مهارة حيوية لأي سياسي يتعامل مع أزمات وضغوط.
ثالثًا: أخلاقيات الرجل السياسي ومسؤولياته:
من المعلوم أن السلطة أمانة في الفكر السياسي الإسلامي، فالمنصب ليس غنيمة بل “أمانة”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه». فالرجل السياسي مسؤول عن الرعية و عمن صوتوا عليه ،فصومه يجب أن يعزز شعوره بالمسؤولية أمام الله قبل الناس. زد على ذلك فبالمساءلة والرقابة يكون السياسي ناجحا بما يملك رقابة ذاتية قوية تعززت بالصوم الذي يعززه مبدأ المراقبة الإلهية، حيث يمتنع الصائم عن الطعام والشراب رغم قدرته عليه خفية، مما ينمي فيه ضميراً حياً يرفض الفساد حتى في غياب الرقابة البشرية.
كما للصوم تأثير على الشخصية حين اتخذها القرارات السياسية
فالشخصية السوية تنتج قرارات سليمة، بحيث إذا كان الصوم يُصلح الشخصية، فإنه بالضرورة يؤثر إيجاباً على جودة القرارات السياسية التي تمس حياة الملايين.
ولهذا فهناك تقاطع بين الصوم والأداء السياسي ويتجلى في تأثير الصوم على اتخاذ القرار وذلك لما يخلقه من إيجابيات كالصفاء الذهني الناتج عن خفة الطعام، والبعد عن ملذات الدنيا،الشيء الذي قد يساعد في التركيز على القضايا المصيرية بعيداً عن الضغوط المادية.
رابعا: السلبيات المحتملة:
والتي تواجه الرجل السياسي، فقد يؤدي انخفاض سكر الدم أو الجفاف في حال عدم إدارة صحية جيدة إلى قلة التركيز أو سرعة الغضب، مما يتطلب من السياسي إدارة طاقته بذكاء،ورغم هذا فالصوم يساعد الرجل السياسي و بالتعاطف مع الفقراء على صياغة السياسات العامة، فعندما يجوع السياسي ويشعر بالعطش، يتحول “الفقر” من إحصائية في تقرير ما إلى واقع معاش ،هذا و قد يدفعه حتما إلى دعم شبكات الأمان الاجتماعي ، ومراجعة سياسات الدعم الغذائي والإسراع في حل أزمات المياه والغذاء في بلاده.
الصوم كذلك يساعد الرجل السياسي على إدارة الوقت فالجهد المبذول خلال شهر رمضان يغير النمط الحياتي في رمضان لكن الرجل السياسي الناجح هو من يعيد جدولة عمله باستغلال الساعات الصباحية في العمل الإداري الجاد،وتخصيص فترات الإفطار للتواصل الاجتماعي غير الرسمي مع المواطنين وبدون إسراف، مع تجنب السهر المفرط الذي يعطل العمل الرسمي في اليوم التالي.
خامسا : استلهامات الرجل السياسي الصائم:
فقديستلهم الرجل السياسي من النماذج التاريخية كالخلفاء الراشدين أنموذجاً للجمع بين الزعامة السياسية والعبادة الخالصة ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتفقد الرعية ليلاً وهو صائم، ويجوع ليشعر بجوعهم، ويقول: “أخاف أن يكون الله قد حاسبني عليهم”و لم يكن يستخدم صومه أو قيامه للدعاية، بل كان يخاف أن يراه الناس فيعجبوا به خوفا من الرياء المذموم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
سادسًا: التحديات والمخاطر:
التحديات والمخاطر التي تواجه الرجل السياسي الصائم والتي قد تخرجه من باب الإصلاح و تفضي به إلى باحات الإفساد فكثيرة: منها توظيف الشعائر دينياً للكسب السياسي شعبويا ،ومن أخطرها تنظيم موائد الإفطار الانتخابية باستخدام خيام الإفطار الضخمة لتوزيع الطعام مقابل كسب الأصوات مع حضور إعلامي مكثف ،ومنها كذلك حرص بعض السياسيين على الظهور في الصلوات والإفطارات أكثر من حرصهم على أداء العمل، بهدف تصوير وتسويق أنفسهم كـ “حماة الدين”وقد زينوا هذه الممارسات برفع الشعارات الرنانةو ربط البرامج السياسية بشعارات دينية في رمضان لاستغلال العاطفة.ومنها النفاق الاجتماعي والمظاهرية، فقد يلتزم السياسي بالصوم ظاهراً أمام الكاميرات، بينما يمارس الفساد المالي أو الإداري باطناً. فهذا التناقض يولد سخرية مريرة لدى المواطنين، ويفقد الثقة في المؤسسة السياسية والدينية معاً. كما أن تأثير الجوع والتعب على المزاج وعلى القرارات إذا لم يهتم السياسي بصحته في السحور والنوم، فقد يصاب بـ “توتر الصيام”، مما يجعله متسرعاً في ردود أفعاله تجاه المعارضين أو الأزمات الطارئة، فيصدر قرارات انفعالية غير مدروسة.
سابعا: ختامًا فمن أجل صيام مقبول وعمل سياسي مبرور، علما أن العلاقة بين “الصوم” و”الرجل السياسي” علاقة معقدة ذات وجهين، فمن الناحية المثالية، يُعدّ الصوم مدرسة أخلاقية عليا تنتج رجلا سياسياً نزيهاً، متعاطفاً، وضابطاً لنفسه ،ولكن عملياً، قد يتحول إلى أداة استغلالية في يد من يفتقر للنزاهة، مما يشوه صورة الدين والسياسة معاً. فالفارق الجوهري يكمن في “النية” و”الرقابة الداخلية”، لذى فعلى الرجل السياسي فصل الشعائر الدينية عن الدعاية الانتخابية أو السياسية،واستغلال روحانية رمضان لمراجعة السياسات العامة التي تمس الفقراء ، كما يجب عليه الاهتمام بالصحة وإدارة الوقت لضمان كفاءة عملية أثناء الصيام. ويتحتم على المجتمع المدني والإعلام القيام بأدوارهما الأصيلة بكشف الممارسات الاستغلالية لموائد الإفطار الخيرية، و تقييم الرجل السياسي بناءً على إنجازه وليس على مظهره الديني في رمضان. يضاف إلى هذا الدور الرقابي دور المؤسسات الدينية في توعية الناس بأن معيار التقييم هو التقوى والعمل، وليس المظاهر، و التحذير من توظيف المنابر الدينية لأغراض سياسية ضيقة. تحياتي




