منتدى القراء

اختلال مسالك التوزيع يعمق أزمة الأسعار في المغرب

هشام بلحسين

لم يعد غلاء المعيشة في المغرب ظرفا اقتصاديا عابرا يمكن تفسيره بعوامل موسمية أو تقلبات مؤقتة، بل أضحى واقعا يوميا يفرض نفسه بقوة على الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود. فقد سجلت أسعار المواد الأساسية، من خضروات وفواكه وأسماك، ارتفاعا ملحوظا، لا سيما خلال شهر رمضان المبارك، ما زاد من حدة الضغط على فئات واسعة من المجتمع تعاني أصلا من محدودية الموارد
صحيح أن التقلبات المناخية والاضطرابات في الأسواق العالمية تؤثر بدرجات متفاوتة في مستويات العرض والأسعار، غير أن حصر الأزمة في هذه العوامل لا يعكس حقيقتها الكاملة فجوهر الإشكال يرتبط ببنية السوق الداخلية واختلال مسالك التوزيع، حيث تتعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، وتتراكم هوامش الربح في كل مرحلة، ما يفضي إلى تضخم الأسعار بشكل يفوق القيمة الحقيقية للمنتجات. والنتيجة أن المنتج الصغير لا يجني عائدا منصفا، بينما يتحمل المستهلك الكلفة النهائية المرتفعة.
المفارقة أن المغرب، باعتباره بلدا فلاحيا غنيا بموارده الطبيعية وثروته السمكية، يمتلك من الإمكانات ما يؤهله لضمان وفرة المنتجات الأساسية بأسعار معقولة. إلا أن الواقع يكشف فجوة واضحة بين هذه الإمكانات والأسعار المتداولة في الأسواق، وهو ما يستدعي تشخيصا موضوعيا ومسؤولا بعيدًا عن الخطابات التبريرية، من أجل تحديد مواطن الخلل واقتراح حلول عملية.
إن تداعيات الغلاء لا تقف عند حدود التأثير على نمط العيش، بل تمتد إلى المساس بالتوازن الاجتماعي. فكلما استمرت موجات ارتفاع الأسعار دون إجراءات موازية لحماية الفئات الهشة، اتسعت دائرة الهشاشة وتعزز الشعور بعدم الأمان الاقتصادي. ومن هنا، يصبح إصلاح السوق وتنظيمها أولوية استراتيجية لا تقبل التأجيل.
وتكمن مداخل الإصلاح في إعادة هيكلة مسالك التوزيع بما يقلص عدد الوسطاء، وتعزيز آليات المراقبة لضبط الأسعار ومحاربة الاحتكار والمضاربة، فضلا عن تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تظل السياسات الاجتماعية مطالبة بمزيد من الدقة والنجاعة
في المحصلة، حماية القدرة الشرائية ليست مطلبا ظرفيا أو شعارا سياسيا، بل هي ركيزة للاستقرار الاجتماعي وأساس لبناء ثقة مستدامة بين المواطن ومؤسساته. فحين تتحول الحاجيات الأساسية إلى تكاليف باهظة ، يصبح الدفاع عن القدرة الشرائية دفاعا عن كرامة الإنسان، وعن شروط التنمية العادلة والمتوازنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى