إن الاستراتيجية التي اعتمدها الغرب في العصور الحديثة هي تخريب المجتمع الإسلامي من الداخل بتدمير أخلاقه وسرقة خيراته، وتشويه المفاهيم الأساسية لمنظومته الفكرية والتاريخية، فلا غرابة أن يستهجن البعض هذا العنوان لأنه تشبع بالقول الشائع لا أخلاق في السياسة ،ولكن لم يسأل نفسه ما هو الأساس الفكري والإيديولوجي لهذه القولة؟ إن هذه القولة ناشئة عن الاتجاهات الفلسفية المادية التي لا تعير أدنى قيمة للبعد الغيبي أو الديني وبذلك فهي لا تؤمن إلا بالفعل المادي للإنسان الذي لا يتقيد بالأخلاق والقيم، ومن ثم فهذا الاتجاه يعتبر أن الإنسان كائن مادي ليس إلا، ويبتعد عن الرؤية الفلسفية التي ترى أن الإنسان كائن أخلاقي بالأساس كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الألماني كانط فعادة ما ذهبت المذاهب المادية إلى التأكيد على المصالح في العلاقات بين الشعوب ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية مرهونة بالاتجاه البراجماتي المادي الذي يرى: إن الأفكار لا تكون صحيحة إلا بقدر ما تجلب لنا من منافع، ولذلك درج الغرب في العصور الحديثة ومعه كل الأنظمة التي تفكر بعقلية المصالح أن السياسة لف ودوران، وأن لا مجال للعامل الأخلاقي أو الإنساني: فالمبدأ الأساسي الذي يحكم هذا التوجه هو الغاية تبرر الوسيلة.
لكن ما هي النتيجة المباشرة لهذه الرؤية؟.
فأول ما نراه هو عدم الالتزام بالتعهدات والمواثيق وكأن ما يطلق عليه القانون الدولي ما هو إلا خدعة للإيقاع بالضعفاء وحيلة تم توظيفها من أجل الإطاحة بالآخرين ومن ثم لا عيب في نقض العهود واستخدام الحيل وشيطنة الآخر وإلحاق التهم به بدون وجه حق بقطع النظر عن ما سيلحقه من ضرر من قبل الآخرين ،وهذا يجعلنا نقر أن الاستعمار الغربي يتبنى البقاء للأقوى وليس للأصلح، والقوي يأكل الضعيف، والعودة إلى قانون الغاب والرجوع إلى مبدأ الإنسان ذئب على أخيه الإنسان، ثم إن ما سيحصل عليه الإنسان نتيجة هذا التوجه هو جعله عبدا للأشياء الحسية ويصبح هدفه في الحياة هو عبادة الجسد ومطالبه لأن الغرب اختار إبعاد سلطة الخالق عن حياة عباده واستبدالها بسلطة الإنسان الأناني وكأن الإنسان أصبح عبدا للإنسان.
و قد يتولى الدفاع عن تصورات الغرب أتباعه وبعض وسائل الإعلام والاتصال وغيرها من أجل الترويج لهذه الرؤية المادية للحياة التي تقوم عليها سياسة الغرب والغريب أن الفساد داخل هذه الرؤية أصبح إيديولوجيا واجبة الإتباع داخل مجتمعات الذيل التي تفكر بعقلية الآخرين. فالعقل الغربي ومنذ عصر النهضة أصبح مسيطرا على كل مراكز التوجيه خاصة التشريع، فالإنسان أصبح يشرع ما يخدم مصالحه من القوانين التي تضبط سير حياة أخيه الإنسان، نتيجة سياسة إبعاء سلطان الخالق لأن القانون المادي لا يؤطر إلا الجانب الظاهر من حياة الإنسان ،بينما القانون الأخلاقي القائم على رقابة الخالق ينطلق من القناعة الداخلية للإنسان. ولذلك إن الممارسة السياسية الحقة هي القائمة على الصدق والأمانة وليست القائمة على الأكاذيب والحيل التي توقع الآخرين في الشباك .ومن ثم أن السياسة الإسلامية هي التي تنبثق مبادئها من الرؤية القرآنية للكون والحياة والإنسان. وهذا الأمر اقتضى أن السياسة الإسلامية تكامل بين العلم والعمل ،لأن العلم هو الذي يضع الأساس للمشروع السياسي العملي، وهذا نجده في كل أعمال الفقهاء التي تنصب على تنظيم وضبط حياة الإنسان من أجل السير وفق نظام قائم على الحق والصدق والعدل وهذا يدل على أن تكامل العلوم والسياسة أمر ضروري لكي لا تنزلق الأمور عن جادة الصواب، وأثناء ممارسة الإنسان المسلم للسياسة لا ينفصل عمله عن القيم الأخلاقية التي استمدها من حقيقة دينه ،لأن الإسلام يتدخل في كل جزئيات حياة الإنسان المسلم ،لأنه يعطيه الرؤية التي على أساسها يصاغ كل شيء .فالإسلام هو قول الله الموجه مقابل قول البشر، فبقدر معرفتنا بالسياسة الإسلامية تكون معرفتنا بسياسة الرؤية البشرية. وأثناء ممارسة الإنسان المسلم للسياسة فإنه يتمسك بوحدة الأخلاق في جميع مناحي الحياة فضلا على ذلك يكون قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولذلك عليه أن يعرف ماذا يفعل وماذا يريد ؟ وما هي الأدوات التي ينبغي استعمالها للوصول إلى الهدف. ورفعا لكل التباس ” فالإنسان يكون له من السياسة على قدر ما يكون له من الأخلاق”. كما يذهب إلى ذلك طه عبد الرحمن .ولابد لممارس السياسة أن يشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه وأن يتوفر على المعارف الإسلامية المرتبطة بمجاله ، فالإسلام لا يميز بين ما هو سياسي وغيره فالسياسة دين والدين سياسة. وهذا لا يعني أن لا يكون ملما بالواقع الذي يعيش فيه، سواء تعلق الأمر بالجوانب الفكرية والاجتماعية ،لأنه لا يعقل أن يسعى الإنسان إلى تغيير الواقع وهو يجهل حقيقته. فالسياسة مرتبطة بحياة الإنسان ولكن الحياة الدنيا لا تستقيم إلا بالإيمان باليوم الآخر، فاستحضار رقابة الخالق على ذاتية الإنسان هي التي تجعله يتذكر يوم الرحيل والسفر الطويل، والوقوف أمام قاضي السماء، وكما قال أحد شخصيات رواية الطيب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال “كلنا يا بني سنسافر وحدنا في نهاية المطاف ” .
وإجمالا فالممارسة السياسية تعكس مدى تمسك الأمة بتاريخها وحضارتها وعندما تنسلخ السياسة عن ذاتية الأمة وكينونتها فحينئذ تصبح الأمة خارج تاريخها.




