رأي

فضائل الصدقة في هذا الشهر الفضيل الذي أُنْزِل فيه القرآن الكريم

بقلم الشيخ الفقيه عبد اللطيف بوعلام.

مع السلسلة الموعودة لشهر رمضان
درسنا اليوم سيتمحور حول فضائل الصدقة في هذا الشهر العظيم الذي أُنزِل فيه القرآن الكريم.
مما لا شك فيه أن الصدقات العينية والإطعامية فرض وواجب على المسلم الغني، والمكتفي استحبابا، والمُقِلّ ( لِّي عْلَ قَدْ الْحَالْ) إيثارا:
قال تعالى بسورة الحشر: ” وَيُوثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)”، وقال أيضا في اقتحام هذه العقبة المليئة بالكرم والجود بلا عَدٍّ ولا حدود من الملك المعبود مكافأة لمن تخطاها إدراجه في أصحاب الميمنة برحمته في عباده المنعمين تجدها ماثلة بسورة البلد لدى قول تعالى: ” فَلَا اقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ(12)وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ (13) فَكُّ رَقَبَةٍ (14) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسۡغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسۡكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ(16)”، وقال عز من قائل بسورة الحاقة: ” خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34).
وقال بالمدثر، واتل حكمه فأنذر: “مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)، وقال عز وجل بالماعون: ” أَرَآيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) “.
ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان عن من استساغ هذا الفعل فقال: ” لَيْسَ بٍمُؤْمِنٍ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ جَائٍعٌ وَهُوَ يَعْلَمُ “.
وللتوضيح والتأكيد، فإن الصدقة لا تُنْقِصُ المال قيد أنملة، بل تزيده وتُضَاعِفُه أضعافا كثيرة. قال عز من قائل بالبقرة: “يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276): معنى يُرْبِي يزيد وينمو.
وقال أيضا بسورة الحديد: “إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) “. وسمَّى الله الأكرم المعطي الجواد الصدقة قَرْضا مرجوعا بمضاعَفات لا يعلم مقدارها إلا هو مُصرَّحا بهذا الأجر الخيالي في قوله مثَبَّتًا بسورة البقرة: ” مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً…(245)”. ولقد أكد عز وجل هذه المضاعفة بِعَدٍّ حسابي بالسورة نفسها بقوله:
” مَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ، فِي كُلِّ سُنۢبُلَةّ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ، وَٱللهُ يُضَٰعِفُ لِمَنْ يَّشَآءُ، وَٱللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261) “.
ثم طَمْأَنَ أمين الوحي صلى الله عليه وسلم الخائفين مِن نُفُوقِ وضياع أموالهم بقوله بالحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: « مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ».
ومن فضائل الصدقة وأجرها المضاعَف في رمضان:
+ إنها تطفىء غضب الله سبحانه وتعالى. قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: ” إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفٍىءُ غَضَبَ الرَّبٍّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى”. الحديث بصحيح الجامع. ( ملحوظة هامة: قضية الغضب والضحك والأسف، والكيد والانتقام، وغيرها الصفات ثابتة في حق الله وعالقة بذاته، لكنها لا تخضع لتأويل البشر لأنه:” كُلُّ مَا دَارَ بِخَيَالِكَ وَبَالِكَ، فاللهُ خِلاَفُ ذَلِكَ”. هذا أمر معلوم زُكِنَ عند أهل العلم المخلصين، ودع عنك من شط به الخيال كأنه رأى ربه المتعال، وكلمه وجها لوجه كما يدعي المُجَسِّمَة أهل الزيغ والضلال، والله يقول:
” لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ “.
+ إنها تمحو الخطيئة، وتُذهِب نارها. قال رسول الله صلى اله عليه وسلم بصددها: “…وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تُطْفِىءُ الْمَاءُ النَّارَ “. الحديث أخرجه أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
+ إنها تقي معطيها من لظى النار. قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: ” فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ “. الحديث رواه بن حبان عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه.
+ والمتصدق في ظل صدقته يوم القيامة
قال رسول الله يقول:
” كُلُّ امْرِىءٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ”. الحديث رواه مسلم.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة يكفي على عظمة الصدقة أنَّ مُنْفِقَهَا يدعو له الْمَلَكُ كل يوم بخلاف الذي أمسكها ومنعها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أًعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً “. الحديث رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ثم إنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به كما هو مُصَرَّح به في قوله تعالى بسورة البقرة:
” وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ [272] “.
ولما سأل النبي عائشة رضي الله عنها عن الشاة التي ذبحوها ما بقي منها: قالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال:
” بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا “. الحديث رواه مسلم.
ونختم بهذه الضميمة الدالة على أن صاحب الصدقات يُدْعَى من باب خاص من أبواب الجنة يُقَال له باب الصدقة كما هو ثابت في الحديث المتَّفَقِ عليه عن أبي هريرة أن رسول الله قال: “.. فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعِيَ من باب الرَّيَّانِ”.
أما إذا اجتمعت هذه الخِصَالُ كلها في المسلم مع الصيام، واتباع الجنائز، وعيادة المرضى في يوم واحد، فقد أوجبت له جنات في أعلى عليين كما هو واضح في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال:
” من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ” فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ” فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله معقبا على الأفعال الثلاثة: ” مَا اجْتَمَعَتْ فِي امْرِىءٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ “.
والحديث عن الصدقة التي تُدْخِلُ بها السرور وراحة القلب على المحتاجين يطول. غير أنه يجب على مُعطيها تَحَرِّي مُسْتَحِقِّيها نظرا للطرق الاحتيالية الهوليودية التي سَلَكَهَا الجم الغفير في استجداء الناس في كل مكان: في المساجد أحيانا، وفي أبوابها ديمومة، والمستشفيات والطرقات والمحلبات وأماكن التجارة… جمعا وكشطا للأموال التي يُصْرَفُ معظمها في البَلِيَّاتِ والموبقات…
أما قولهم اشتهارا على الألسن: ” نْوِيهَا للهْ وَعْطِيهَا لَلْكَافَرْ بَاللهْ “. هذا المثل قد يصدق في زمان العفة وعدم اعتراض المارة. أما هؤلاء بكثرتهم المُمِلَّةِ، فيُحرِجُونك ويغلقون سبيلك، وربما قد يتخاصمون معك بأفظع النعوت إلى درجة التشابك بالأيادي ودريهماتهم تدخل في الصرة والأكياس تُكْنَزُ دون صرفها في ما ينفع لأنهم يطلبون حتى المواد الغدائية من المشترين والمنازل صُيَاحا وطَرْقا… وقد وقفت على ظاهرة بالمشاهدة والتحري أن هناك تواطؤ بين بعض التجار معهم. حيث يُرْجِعون لهم ما طلبوه منك بثمن بخس في تكرار العملية يوميا لأجل التَّرَبُّحِ لكلا الطرفين…
وللإعلام والإشادة بالرجال رضي الله عنهم الذين بهُداهم نقتدي، فلقد تصدَّق عمر بن الخطاب بنصف ماله، وتصدق أبو بكر بماله كله، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بقافلة بأكملها، ولم يخشوا فقرا وإقلالا…
خَلُصَ الكلام وإلى انقداح آخر بالتمام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى