من تحدي “لي راجل فيكم يطلع” إلى الهروب من المناظرة
سعيد الغماز كاتب وباحث في الرقمنة والذكاء الاصطناعي
“لِّي رَاجْلْ فِيكُمْ يَطْلَعْ”. هكذا دافع الدكتور الفايد عن الآراء التي يعبر عنها على قناته في اليوتيوب. والغريب هو أنه اشتغل في مختبر للبحث الجامعي، ويحمل، حسب زعمه، صفات الدكتور والباحث والأستاذ الجامعي. رغم هذه الصفات، يتحدث الفايد بهذه اللغة الخالية من العلم ومن شيء اسمه البحث العلمي.
بعد هذا التحدي الذي يناسب لغة وسائل التواصل الاجتماعي، وبعيد كل البعد عن لغة البحث العلمي، “طْلْعْ لِيهْ” الدكتور رشيد نافع الذي قبِل مناظرته في الموقع والزمان الذي يختاره.
قَبْل الاسترسال في الموضوع، لا بد أن أوضح أن الخوض في هذا الجدل، مرده كون الفايد يقدم نفسه كدكتور وباحث وأستاذ جامعي. هذه الصفات، قياسا لمستوى لغة الفايد التي يدافع بها عن أرائه وأفكاره، هي التي كانت وراء تناولنا للموضوع، وذلك صونا لقيمة البحث العلمي، ودفاعا عن القيمة التي ينبغي أن يعكسها كل حامل للدكتوراه وكل أستاذ جامعي. ولو كان الفايد يتحدث بصفة اليوتيوبز أو صانع المحتوى، لما تطرقتُ لهذا الموضوع. ففضاء السوشيال ميديا مفتوح لجميع صناع المحتوى بما في ذلك روتيني اليومي، وما يعكسه من انحطاط ورداءة وضعف في الذوق.
قبِل رشيد نافع المناظرة، ورفع التحدي في وجه الفايد. هذا الأخير كان بإمكانه قبول المناظرة، كما كان من حقه الإعراض عنها ولو تطلب الأمر اصطناع أكثر من ذريعة. إلا أن رد الفايد، كان في غاية من الغرابة، تجعلنا نطرح سؤال طبيعة عمل الفايد سابقا في مختبر علمي، ومستوى تكوينه الأكاديمي، وأثر عمله كأستاذ جامعي سابقا.
جواب الفايد عن تحدي المناظرة، كان عبر قناته في اليوتيوب. استعمل الرجل في هذا الرد مصطلحات وتعابير تدخل في خانة روتيني اليومي الذي لا يجد الفايد أي حرج في الانتماء إليه بصريح كلامه. لذلك نتنزه عن التطرق لتلك العبارات والمصطلحات البذيئة، احتراما للقارئ الكريم، وللعقول المتزنة ولثقافة الذوق الرفيع. وسنكتفي بذكر بعض الردود التي تحمل دلالات يمكنها تفسير تهرب الفايد من المناظرة.
“أنتم محنطون” هكذا خاطب الفايد كل مهتم بهذه المناظرة، وهو حكم قيمة لا يمت بصلة للغة العلم ولا للبحث العلمي. علما أن من بين المهتمين بالمناظرة دكاترة ومهندسون وباحثون، لكنهم من صنف من يحترم تخصصه ولا يسمح برميه في قاع روتيني اليومي فقط من أجل رفع نسبة المشاهدات كما يفعل الفايد.
“يَا سِيدِي رَاكْ رْبَحْتِي وَالنَّاسْ كَايْصَفْقُو لِيكْ قْبْلْ مَا تْدِيرْ المُنَاظَرَة”، قد نعطي لهذا الجواب عن تحدي المناظرة أكثر من تفسير، لكن الكل سيُجمع على أنه جواب العاجز الذي تستهويه مخاطبة شاشة الهاتف، لأنها لا تناقشه ولا تستفسره عن دليل أفكاره، ولا تقدم له الفكرة الأخرى التي تدحض مزاعمه، فالمجال مُشرع لقول كل شيء أمام الشاشة. أما في المناظرة، فسيكون الفايد أمام الرأي المخالف والفكرة النقيضة، وهو ما يتطلب التفسير والتوضيح والاستدلال عن كل فكرة أو رأي يطرحه الفايد. فحقيقة الفكرة لا تستقيم إلا بعرضها على الفكرة النقيضة، وقياس مدى صمودها أمام الرأي الآخر. وهذا هو الهدف من المناظرة التي يخشاها الفايد.
بهكذا جواب، يبدو أن الفايد استحضر مناظرة عصيد والدكتور لحلو، التي وضعت عصيد في موقع جد حرج، وبدا لمتتبعي المناظرة الفارق الكبير بين الدكتور لحلو الذي يبرهن بأسلوب علمي عن كل رأي أو فكرة، في مقابل أسلوب إنشائي مليء بالحشو في الكلام الذي استعمله عصيد، فقط لكي لا يبدو كالفاقد للحجة ويترك المناظرة تحت سيطرة أفكار الدكتور لحلو. ومما يؤكد هذا المنحى، كون الفايد بحث جيدا عن المسار العلمي للدكتور رشيد نافع، وهو ما تطرق له في رده عن تحدي المناظرة. وربما معرفة الفايد بقيمة المُناظِر كان وراء هذا التهجم الاستباقي مخاطبا شاشة الهاتف التي تمنحه التفوه بأي كلام في غياب المحاور.
“أَنَا البْرُوفِيسُّورْ الفَايْدْ لِّي شَاهْدِينْ لِيَّا بِهَا جَمِيعْ جَامِعَاتْ العَالَمْ” هكذا خاطب الفايد قبول رشيد نافع مناظرته. شخصيا لم أكن أعلم أن لقب “البروفيسور” يتطلب “جَمْعْ الشّْهُودْ” ليصير المرء “بروفيسورا”. كما أنني لا أعرف جامعة من جامعات العالم التي تحدث عنها الفايد، تعطي لقب بروفيسور بجمع ثلة من “الشّْهُودْ” يشهدون له بأنه بروفيسور. لقب البروفيسور هو درجة علمية تفوق درجة الدكتور، وتمنحها الجامعات بناء على الإنتاج المعرفي والأكاديمي والمؤلفات العلمية. كما أنها درجة تمنحها المؤسسة الجامعية التي ينتمي إليها المعني بالأمر. الفايد لم يذكر أن المؤسسة الجامعية التي كان ينتمي إليها، منحته هذه الدرجة لأنه لا يستطيع قول ذلك، لسبب بسيط هو أن المؤسسة يمكن أن تخرج ببلاغ تكذب فيه ذلك. أما أن يحرز لقب البروفيسور باستعمال “الشّْهُودْ” فهذا هو العجب العجاب. وما دام الأمر صادر عن دكتور في التغذية فهذا شيء لا يقبله العقل البشري.
كلام الفايد عن لقب البروفيسور، يعكس حالة نفسية تتمنى الحصول عن هذا اللقب، وهو تمني مشروع حتى لمن يبحث عن بلوغ صفة اعتبارية مفقودة. لا أريد استعمال التحليل النفسي والعقد النفسية التي يلجأ إليها من يصفون أنفسهم “التنويريون” حين تعوزهم الحجة. لكن في رد الفايد عن تحدي المناظرة، تتضح جليا العقد النفسية، وهو ما جعل الفايد يختلط عليه الأمر بين الترقي من دكتور إلى درجة “بروفيسور” في عالم المؤسسات الجامعية، وبين الترقي من يوتيوبرز إلى صانع محتوى من درجة “روتيني اليومي” في عالم اليوتيوب الذي يبث من خلاله الفايد قناته. الحديث عن درجة روتيني اليومي، لا يعني تجنيا على الفايد، بل هذا ما نجده في قناته، ونكتفي بقوله في رده على تحدي المناظرة “نْتْحْدَّاكْ وَنْتْحَدَّى لِّي قْرَّاوْكْ”، “بَاشْ غَادِي تَرْدْ عْلَى الدُّكْتُورْ الفَايْدْ آشْ نُو عَارْفْ”، وهذه لغة مشاعة في قنوات روتيني اليومي.
هذه القناة التي جمعت أكثر من 2،6 مليون مشترك حين كان الفايد يتوفر على عقل سوي، ويحمل نفسية بلا عقد نقص، ويتحدث مع جمهور يحمل عقلا وفكرا وثقافة قبل أن يصفه بالمحنطين. في هذه الفترة كانت بعض أشرطته تبلع أكثر من 500 ألف مشاهدة، لأن حديث الفايد كان بلغة العلم والقرآن والسنة. لكن حين استسلم الفايد للعقد النفسية، وابتعد عن المنهاج العلمي ولغة البحث الأكاديمي، سقطت المشاهدات كسقطة حرة في علم الفيزياء (chute libre) وأصبحت أشرطته بالكاد تدور حول رقم جد ضعيف يطوف حول 10 ألف مشاهدة. في عالم السوشيال ميديا 2،6 مليون مشترك، مقابل مشاهدات من بضعة آلاف فقط، يعني السقوط الحر بلغة الفيزياء. هذه السقطة الحرة هي التي جعلت الفايد يرد على د. رشيد نافع قائلا “النَّاسْ أَصْلاً يُصَفِّقُونَ لَكْ”. وإن كان المطلوب هو أن يستخدم الفايد الآليات العقلية، وضوابط البحث العلمي، لتفكيك معادلة إقبال الناس على رشيد نافع وهجرهم لمحمد الفايد، وهو ما أقر به هذا الأخير على قناته. حل هذه المعادلة لا يمكن أن يقوم به الفايد بلغة روتيني اليومي.
قد يكون الفايد أي شيء إلا أستاذا جامعيا وباحثا أكاديميا، وإلا فستتبرأ منه جامعات العالم التي تحدَّث عنها. للبحث العلمي عالمه في الجامعات، ولروتيني اليومي مجاله في اليوتيوب، ولا يمكن لمن تشَرَّب روح العلم وتشَبَّع بمنهج الأبحاث وتمرس في المختبرات، أن يسمح برمي البحث العلمي في أُتون البذاءة والانحدار.




