رأي

من الفاعل إلى المفعول به: سيكولوجيا التبعية وجيوستراتيجيا «البيادق» في الشرق الأوسط والمنطقة العربية

حسن جعفري

في خضم التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط، حيث شهدت المنطقة عدواناً أمريكياً-إسرائيلياً مزدوجاً على إيران تلاه رد عسكري إيراني واسع، تكشف الأحداث مرة أخرى مفارقة عميقة في بنية الصراعات داخل المنطقة. فبينما تنخرط القوى الكبرى في إعادة رسم موازين القوة الإقليمية، تنشغل المجتمعات المحلية بمعارك رمزية وصراعات خطابية تُفقدها القدرة على الفعل التاريخي، لتتحول تدريجياً من فاعل في مسار الأحداث إلى مجرد «مفعول به» في معادلات الآخرين.

لقد أظهرت التفاعلات التي صاحبت هذه التطورات كيف تتحول الفضاءات الإعلامية والافتراضية إلى ساحات حرب موازية، تتصاعد فيها نبرات التخوين والاستقطاب بين الجماعات. هناك تُستحضر الهويات الطائفية، وتُؤجَّج الحميات الدينية المغشوشة، وتُستعمل مفردات الوطنية أحياناً كسلاح لإقصاء كل صوت ناقد أو مخالف. وفي خضم هذا الضجيج، تبدو الصورة الكبرى للصراع وكأنها تُدار في مستوى آخر، حيث تتحول المجتمعات نفسها إلى أدوات داخل لعبة جيوسياسية أكبر منها.

تحاول هذه المقالة تفكيك الآليات التي تجعل مجتمعات كاملة تنتقل من موقع الفاعلية إلى موقع التبعية، عبر مقاربة تجمع بين التحليل الجيوستراتيجي وسيكولوجيا الجماهير، مستحضرة نماذج تاريخية ومعاصرة تكشف كيف يمكن أن تتحول الفاعلية المتوهمة إلى مجرد وظيفة داخل استراتيجيات الآخرين.

🔸 جيوستراتيجيا الهوامش: كيف تتحول المجتمعات إلى بيادق؟

منذ تفكك الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن العشرين، دخلت المنطقة العربية والإسلامية مرحلة طويلة من إعادة التشكل الجيوسياسي، أصبحت خلالها مجالاً مفتوحاً لتنافس القوى الكبرى. وقد جعل الموقع الاستراتيجي للمنطقة، إلى جانب ثرواتها الطبيعية، منها ساحة دائمة للصراعات الدولية.

غير أن هذه الصراعات لم تظل محصورة في مستوى الدول فحسب، بل امتدت تدريجياً إلى النسيج الاجتماعي ذاته. فقد أصبح التنوع الديني والمذهبي والعرقي مادة خاماً يمكن استثمارها في إعادة تشكيل موازين القوة داخل المجتمعات نفسها.

في أدبيات العلاقات الدولية، يُستعمل مفهوم «الدول الهامشية» للدلالة على الكيانات التي تفتقر إلى القدرة على التأثير في بنية النظام الدولي، فتظل في موقع المتلقي للقرارات الكبرى. غير أن هذه الهامشية قد تمتد أحياناً إلى المجتمع ذاته، حين تتحول هوياته الفرعية إلى أدوات تعبئة سياسية تُوظف لخدمة أجندات خارجية، تحت شعارات الدفاع عن الذات أو حماية الهوية.

وهنا تتحول استراتيجية «فرق تسد» الكلاسيكية إلى صيغة أكثر تعقيداً: فبدلاً من السيطرة المباشرة، يُعاد تفكيك المجتمع من الداخل عبر صراعات الوكالة، بحيث تتكفل القوى المحلية نفسها بإدارة صراعات تخدم في النهاية مصالح القوى الكبرى.

هذه الظاهرة ليست حكراً على الشرق الأوسط. فقد شهدت أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة تدخلات مشابهة، كما في الانقلاب على حكومة سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973، أو الغزو الأمريكي لغرينادا سنة 1983. وفي أفريقيا أيضاً تكشف صراعات الساحل المعاصرة كيف يمكن توظيف الانقسامات المحلية في إعادة ترتيب موازين النفوذ الدولي.

🔹 سيكولوجيا القطيع: حين تتحول الجماهير إلى أدوات

لفهم البعد النفسي لهذه الظاهرة، يقدم تحليل عالم الاجتماع الفرنسي Gustave Le Bon في كتابه الشهير Psychologie des foules مفاتيح تفسيرية مهمة. فقد بيّن لوبون كيف يمكن للجماهير، حين تتحرك في إطار عاطفي جماعي، أن تفقد قدرتها على التفكير النقدي، فتتحول إلى كيان منقاد للإيحاءات والانفعالات.

وتجد هذه الحالة النفسية الجماعية وصفاً بليغاً في التعبير القرآني: «فاستخف قومه فأطاعوه» (الزخرف: 54). فالاستخفاف هنا لا يعني مجرد الاستهانة، بل يشير إلى قدرة المهيمن على إضعاف وعي الجماعة بذاتها، بحيث تصبح طائعة لإرادته دون إدراك حقيقي للعواقب.

في السياق المعاصر، لا يتطلب هذا الاستخفاف دائماً قهراً مباشراً. ففي كثير من الأحيان يكفي تغذية أوهام الفاعلية لدى جماعات محلية، أو تقديم دعم مؤقت لها، حتى تنخرط في صراعات تخدم في النهاية أجندات تتجاوزها.

وهكذا يتحول ما يمكن تسميته «البلاهة السياسية» إلى ظاهرة جماعية، حيث يُستبدل التفكير في المصالح الواقعية بالانتماء العاطفي أو الأيديولوجي، ويُستبدل التحليل العقلاني بخطابات تعبئة تستند إلى الهوية أو العاطفة.

🔸نماذج تاريخية: حين تكتشف البيادق موقعها الحقيقي

يقدم التاريخ المعاصر للمنطقة أمثلة عديدة على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها قوى محلية إلى أدوات ضمن صراعات أكبر منها.

ففي العراق وسوريا ولبنان لعبت الميليشيات الطائفية أدواراً محورية في صراعات إقليمية معقدة، حيث اعتمدت في كثير من الأحيان على دعم خارجي مكّنها من تحقيق نفوذ محلي واسع. غير أن تغير التحالفات الدولية كشف لاحقاً هشاشة هذا النفوذ، حين تحولت بعض هذه القوى إلى عبء على داعميها أو إلى أوراق تفاوض في صراعات إقليمية.

أما النخب الأيديولوجية في العالم العربي، فقد عرفت تجربة مشابهة خلال الحرب الباردة، حين انقسمت بين اصطفاف مع المعسكرين الشرقي والغربي. وقد اكتشف كثير منها لاحقاً أن دعم القوى الكبرى كان مشروطاً دائماً بمصالحها الاستراتيجية، لا بالولاء الأيديولوجي الذي كانت تتصوره.

وفي الحالة السورية، تقدم تجربة المجموعات الكردية مثالاً آخر على تعقيد هذه العلاقات. فقد حصلت بعض هذه القوى على دعم عسكري أمريكي في سياق الحرب ضد تنظيم «داعش»، وهو الدعم الذي مكّنها من توسيع نفوذها الميداني. غير أن تغير الأولويات الاستراتيجية لاحقاً كشف حدود هذا الدعم، وأعاد ترتيب موازين القوة على نحو دفع تلك القوى إلى البحث عن تسويات جديدة مع الفاعلين الإقليميين.

القاسم المشترك بين هذه النماذج جميعاً هو وهم الفاعلية: إذ تكتشف القوى المحلية، بعد حين، أنها لم تكن سوى جزء من لعبة أكبر تُدار وفق حسابات لا تتحكم فيها.

🔹الحمية الدينية (الورع المغشوش) والوطنية الزائفة (الوطنجية)

يتغذى هذا الوضع على خطابين متوازيين: خطاب ديني منحرف يوظف الانقسامات الطائفية لتأجيج العداوات، وخطاب وطني زائف يستعمل مفردات الوطنية كسلاح لإقصاء كل رأي مخالف.

وفي الفضاءات الرقمية تتحول هذه الخطابات إلى آلية فعالة لإنتاج الاستقطاب الجماعي، حيث يُستبدل النقاش العقلاني بحملات تخوين وشيطنة متبادلة، وتتحول القضايا الكبرى إلى معارك رمزية تستنزف الطاقات دون أن تغير شيئاً في موازين القوة الفعلية.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه المجتمعات بهذه الصراعات الخطابية، تُعاد صياغة الترتيبات الجيوسياسية للمنطقة في مستويات أخرى بعيدة عن هذا الضجيج.

🔸كيف تستعيد المجتمعات فاعليتها؟

الخروج من دائرة التبعية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات، بل يتطلب شروطاً سياسية وتاريخية معقدة. في مقدمة هذه الشروط بناء دولة وطنية قوية تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وتحتكر وسائل القوة الشرعية، وتتمتع بقدر من الاستقلال الاستراتيجي.

كما يتطلب الأمر أيضاً بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الصراع الحقيقي والصراع الوهمي، وبين المصالح الوطنية الفعلية وتلك التي يُراد تسويقها باسم الهوية أو العقيدة.

وقد نجحت مناطق أخرى من العالم في تجاوز صراعاتها التاريخية عبر مشاريع تكاملية كبرى، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولت قارة أنهكتها الحروب إلى فضاء للتعاون الاقتصادي والسياسي.

🔹بين الفاعلية والانهيار

إن أخطر ما في التبعية ليس الهيمنة الخارجية بحد ذاتها، بل اقتناع المجتمعات التابعة بأنها تتحرك بإرادتها الحرة، بينما هي في الواقع تنفذ أدواراً مرسومة لها داخل استراتيجيات الآخرين.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات العربية والإسلامية: إما استعادة القدرة على الفعل التاريخي عبر مشروع سياسي جامع يعيد تعريف المصالح المشتركة، وإما الاستمرار في لعب دور البيادق داخل صراعات لا تصنعها ولا تتحكم في نتائجها.

فالفرق بين الفاعل والمفعول به، في نهاية المطاف، ليس مجرد موقع في الجملة السياسية، بل هو الفرق بين مجتمع يصنع تاريخه وآخر يكتبه الآخرون عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى