الحسام الماحق لمنكري عذاب القبر بالدليل من كلام الله الصادق وسنة نبيه المؤيد بالخوارق
بقلم الشيخ عبد اللطيف بوعلام

نزولا عند طِلْبَةِ العديد من الإخوة والأخوات الذين أًكِنُّ لهم فائق التقدير والاحترام والمحبة في تراجعي عن قرار كتابة المقالات الجادة لأجل التوعية الدينية نظرا لوجود ثلة من المنتقدين الذين لا يكترثون بالمَرسول متأففين من الطول، وحتى أناملهم تُعيِيهم في كتابة مثلا: ” أحسنت، جزاكم الله خير، لَا فُضَّ فُوك، ولا جَفَّ قلمك…” إلى غير ذلك من العبارات التي تثلج الصدور وَتُوثِق أواصر المرور، فمقالي الآتي بحول الله وقوته عنونته ب:
الحسام الماحق لمنكري عذاب القبر بالدليل من كلام الله الصادق، وسنة نبيه المؤيد بالخوارق على رأسها القرآن الذي أعجز كل حاذق قطعا لرأس كل مارق يرَوّج لاستحالة وقوعه تحت التراب آكل الجسد اللاصق. وما أكثر هؤلاء المتسَوِّرين لِحِمَى الله على وسائل التواصل الاجتماعي كأنَّ اللهَ العزيز الجبار زودهم بكاميرات الكشف عما يجري في البرزخ.
أولا نبدأ بآية صادحة ومؤكِّدة لحقيقة العذاب بسورة غافر في قول رب الأرباب بها: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب (46)﴾ بمعنى أنَّ النار يٌحْرَقون بها صباحا ومساء.
قال المفسرون: المراد بالنار هنا نار القبر، وعذابهم في القبور بدليل قوله تعالى بعده: ” ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب” انظر صفوة التفاسير ج3 بالسورة عينها.
قال الشيخ بن جبرين – رحمه الله – في فتواه (503): ” لقدُ استُدِلَّ على عذاب القبر ونعيمه ببعض الآيات مثل قوله تعالى:
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ )، فَفُسِّرَ العذاب الأدنى بعذاب القبر، وكقوله تعالى:(سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) قيل: المرة الأولى الفتنة في الدنيا، والثانية عذاب البرزخ، ومنها قوله تعالى في آل فرعون: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا) قيل: إن هذا عذاب القبر تُعرض أرواحهم على النار أول النهار وآخره “.
وأما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الباب، فهي كثيرة، وكلها تدل على إثبات عذاب القبر إلى درجة أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالاستعاذة منه في دُبُرَ (آخر) كل صلاة بقوله: ” إذا تَشَهَّدَ أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال”.
والأحاديث الواردة في إثبات عذاب القبر كثيرة يكفي أن نعرض لبعضها تفنيدا لمزاعم القائلين باستحالته عقلا قاصرا عن إدراك الحقيقة.
+ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ:
” إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ: أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ “. الحديث رواه البخاري برقم: (218) ومسلم برقم: 292.
+ وفي سنن أبي داود تحت رقم (4753) من حديث البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حين يُسْأل المؤمن في قبره، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا. قَالَ: وَيُفْتَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ. وقال في الكافر حين يُسأل في قبره:فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا. قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ..”.
+ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: ودَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا لِي: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ. فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ. وَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . الحديث رواه البخاري (6366)، ومسلم 586.
+ وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
” إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وتُوُلِّيَ وذَهَبَ أصْحَابُهُ حتَّى إنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ، فَأقْعَدَاهُ،فَيَقُولَانِ له: ما كُنْتَ تَقُولُ في هذا الرَّجُلِ محمد صلى الله عليه وسلَّمَ؟ فيَقولُ: أشْهَدُ أنَّهُ عبدُ اللهِ ورَسولُهُ، فيُقَالُ: انْظُرْ إلى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُما جَمِيعًا، وأَمَّا الكَافِرُ – أَوِ المُنَافِقُ – فيَقولُ: لا أدْرِي، كُنْتُ أقُولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقَالُ: لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بمِطْرَقَةٍ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً بيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ”، وهما الإنس والجن ( وسُمُّوا بالثقلين لِثِقَلِهِم في الأرض).
الحديث وارد في صحيح البخاري برقم: 1338.ذلك؛ فإن القبْرَ هو أوَّلُ منازِلِ الآخِرة، فإن كان المحشور (ة) مؤمنيْن صالحيْن مخلصيْن أجابوا بسرعة على الأسئلة الثلاث الموجهة إليهما من قبل المَلَكين الأسودين الأزرقين [ مُنْكِرٌ وَنَكِيرٌ ]، فيقولان له: ” من ربك؟ ربي وربكما الله الواحد الفرد الصمد. ما هو دينك؟ ديني الإسلام. من نبيك؟ ” نبيٍّي محمد صلى الله عليه وسلم. فإنْ كان المَيّتُ كافرًا أو مُنافقًا، فإنَّه لاَ يتمكَّنُ مِن الإجابةِ على الأسئلة قطعا. قال النبيﷺ: “إنَّ المسلمَ إذا سُئِلَ في القبر، فشَهِدَ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله ﷺ، فذلك قولُ اللهِ عز وجل: (يُثَبِّتُ اللهُ الًّذِين آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ). الحديث رواه البخاري وأبو داود واللفظ له. فاللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة.
ومن رحمة الله ورأفته بنا أنْ حَجَبَ عنا سماع ما يجري في ذلك العالم إبقاءً على حياتِنا لأنَّنا لو سَمِعنا ما يدور تحت القبور لَصُعِقْنَا، فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِينَ.
وفي الحديثِ: إثباتُ سؤالِ الملَكينِ للمَيتِ في القبرِ. وفيه: إثباتُ عذابِ القبرِ، وهذه الأمور مسألة غيبية، فإما روضة من رياض الجنة أو حُفرة من حُفَرِ النار؛ ذلك أنه لو علمنا بأن أحدا من أقربائنا سيتعرض للنار ما دفناه ليٌحْرَقَ بها. ولقد أجمع العلماء قاطبة على أن قراءة سورة الملك تقي صاحبها من عذاب القبر شريطة اجتناب الشرك بكل تَجَلِّيَّاتِهِ الكبيرة والصغيرة، وعقوق الوالدين، وعدم أكل أموال اليتامى، وغيرها من الموبقات الموجبة للعقاب، وأصعبُها على الإطلاق رد المظالم والحقوق إلى أهلها لأن بينك وبين الله مَبْنِيٌّ على المسامحة، وبينك وبين العباد مبني على المشاححة؛ وسُمِّيت بالواقية، والمُنْجِية طبقا لما أخرجه الترمذي لدى قوله صلى الله عليه وسلم: ” هِيَ الْمَانِعَةُ، وَهِيَ الْمُنْجِيَّةُ تُنْجِي مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ” .
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يسمّيها «المجادِلة» لأنها تجادل عن قارئها في القبر .
وبه تمام الكلام ردًّا على الشاكين المتهوكين في عذاب القبر ونعيمه، والسلام.




