رأي

سيكولوجية الصائم في مناطق الحرب: بين الصمود الروحي والصدمة النفسية.

محمد كندولة

ونحن نتابع الظروف الصعبة التي يعيشها أهل غزة وأجواء الحرب في إيران ودول الخليج والشام نتساءل عن الحالة النفسية والسلوكية للأفراد الذين يمارسون فريضة الصيام في شهر رمضان المبارك أو الصيام التطوعي في ظل ظروف الحرب والنزاعات المسلحة، فإن الوقوف على التداخل المعقد بين الحرمان الجسدي المقصود (الصيام) والحرمان القسري الناتج عن الحرب نقص الغذاء، الخوف، فقدان الأمان نستنتج أن الصائم في الحرب يعيش حالة من التناقض المعرفي العاطفي، حيث يتصارع الألم الجسدي والنفسي مع المعاني الروحية للصبر والجهاد حيث أن الإيمان يلعب دوراً مزدوجاً؛ فقد يكون مصدراً للصمود أو مصدراً للضغط الإضافي في حال تفسير المعاناة كعقاب إلهي.

أولا: مقدمة :

يمثل الصيام في الإسلام عبادة جسدية وروحية تهدف إلى تهذيب النفس وزيادة التقوى، وفي الظروف الطبيعية، يرتبط الصيام بالاستقرار الأسري والاجتماعي والوفرة النسبية في وجبتي الإفطار والسحور بحيث تتغير المعادلة تماماً عندما يحل شهر الصيام في مناطق تشهد حرباً نشطة ، ففي سياق الحرب، يتحول الصيام من عبادة اختيارية في بيئة آمنة إلى تجربة وجودية قاسية تهدد الحياة. هنا، لا يمتنع الصائم عن الطعام والشراب فقط، بل قد يمتنع عنهما قسراً بسبب الحصار أو الدمار، مما يخلق تداخلاً بين الجوع العبادي والجوع القسري، وهي حالة تكتسي أهمية بالغة في ظل تكرار النزاعات المسلحة في العالم الإسلامي، مما يستدعي ضرورة فهم الحالة النفسية للصائم لتقديم الدعم اللائق. ولهذا نتساءل: كيف تؤثر ظروف الحرب والنزاع المسلح على الحالة النفسية والسلوكية للصائم؟، وما هي آليات التكيف التي يعتمدها للتعامل مع العبء المزدوج (الصيام + الحرب)؟و هل يعزز الصيام من قدرة الفرد على تحمل ضغوط الحرب أم يزيد من هشاشته النفسية؟وكيف يتأثر مفهوم “الأمان” و”العبادة” لدى الصائم تحت القصف؟ و ما دور الدعم الاجتماعي والديني في تخفيف آثار الصدمة أثناء الصيام؟

ثانيًا: الأسس النفسية للصيام في الظروف الطبيعية .

قبل الخوض في الحرب، يجب فهم الخط الأساس النفسي للصيام وينجلى في ضبط النفس ،فالصيام يدرب الفرد على كبح الدوافع، مما يعزز الشعور بالسيطرة الداخلية والتعاطف الاجتماعي بحيث يشعر الصائم بجوع الفقراء، مما يعزز السلوك الإيثاري. كما يحقق الصوم الاستقرار المزاجي:في الغالب،و يرتبط الصيام عادة بالبيئة المستقرة وبشعور بالسلام الروحي وانخفاض في العدوانية كما أن الإيقاع البيولوجي يتأثر فيه النوم والمزاج بتغير مواعيد الأكل، لكن الجسم يتكيف في الظروف المستقرة.

ثالثا سيكولوجية الحرب وتأثيرها على الفرد:

الحرب تخلق بيئة التهديد المستمر، وتتميز بـاضطراب ما بعد الصدمة حيث تظهر أعراض القلق، والكوابيس، واسترجاع الأحداث. كما تتميّز بفقدان الأمان الأساسي فيعم الحزن المعقد بسبب الخسائر المتكررة في الأرواح والممتلكات فيصبح وضع البقاء هو ما عليه يركز الدماغ مما يقلل من القدرات المعرفية العليا والتأمل الروحي.

رابعا : التقاطع النفسي (الصائم أثناء الحرب)

هذا هو جوهر المطلوب في كلامنا هذا ، حيث يندمج العاملان السابقان ليُنتجا حالات نفسية فريدة تتسم بالعبء المزدوج حيث يعاني الصائم في الحرب من إجهاد فيزيولوجي مضاعف بسبب الجوع الناتج عن الصيام يضاف إليه الجوع الناتج عن نقص الإمدادات الغذائية فتكون النتيجة هبوط سريع في الطاقة الشيء الذي يؤثر على اليقظة والقدرة على الهرب أو الاحتماء يصاحبها تهيج عصبي بسبب انخفاض سكر الدم مع ارتفاع هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) مصدره الخوف الذي قد يؤدي إلى نوبات غضب أو انهيار بكائي مفاجئ.

خامسًا:الصراع المعرفي والروحي:

قد يفسر البعض المعاناة على أنها ابتلاء ورفع للدرجة مما يعزز الصمود ، بينما قد يفسرها آخرون على أنها عقاب إلهي مما يؤدي لليأس والاكتئاب والشعور بالذنب حيث يشعر الصائم بالذنب عند الإفطار إذا كان هناك جرحى أو أطفال يتضورون جوعاً حوله، مما يفقد وجبة الإفطار طعمها ويحولها لتجربة مؤلمة. كما يجد الصائم صعوبة في الخشوع يصعب تحقيق الطمأنينة في الصلاة أو التلاوة مع أصوات القصف، مما قد يولد شعوراً بالنقص الديني أو التقصير.

سادسًا: التضامن الاجتماعي كدرع نفسي:

في الحرب: يتحول الصيام من طقس فردي/أسري إلى طقس جماعي للبقاء فتكون موائد الإفطار المشتركة في المخيمات أو الملاجئ، الشيء الذي يعزز الشعور بالانتماء ويقلل من العزلة النفسية فيصبح للكرم آخر وهو المشاركة في “اللقمة الأخيرة”، مما يعمق الروابط الإنسانية ويعطي معنى للحياة وسط الموت.

سابعا: الصيام كملجأ نفسي :

فلذى شريحة من الصائمين: يتحول الصيام إلى “واحة نفسية” فالانشغال بالعبادة يعطيهم شعوراً بالسيطرة في عالم فقدوا السيطرة عليه تماماً. الصلاة والصيام يصبحان الفعلان الوحيدان اللذان يختارانهما بإرادتهم الحرة في ظل الحرب.

ثامنا: آليات التكيف والصمود :

وهنا نطرح سؤالا: كيف يتعامل الصائم مع هذا الضغط؟
الجواب فبالتكيف القائم على الإيمان و الاعتماد على الدعاء، وقراءة القرآن، وتفسير الأحداث بقدر الله، يقلل من القلق الوجودي.

تاسعا: إعادة صياغة معنى الصيام :

يصبح الصيام في الحرب نوع من “الجهاد بالنفس”، مما يرفع المعنويات، فبالدعم الاجتماعي والاعتماد على الأسرة والمجتمع المحلي لتوزيع الموارد الغذائية يخفف العبء ويجمع التفكك النفسي في الحالات القاسية، فقد ينفصل الصائم عاطفياً عن جوعه وألمه كآلية دفاعية لا إرادية للبقاء. ولكن رغم كذلك يمكن الوقوف على مجموعة من التباينات الفردية حيث لا توجد استجابة واحدة؛ فالبعض ينهار نفسياً تحت الضغط المزدوج، والبعض الآخر يمر بـنمو ما بعد الصدمة ويتقوى إيمانه. كما أن الأطفال وهم الأكثر تأثراً، فصيامهم في الحرب قد يؤدي إلى مشاكل نمو جسدي ونفسي طويل الأمد ،خصوصًا إذا تزامن أوقات القصف مع أوقات الصلاة أو الإفطار، فتربط المنبهات الدينية بصدمة الخوف مما قد يؤثر على الممارسة الدينية مستقبلاً بعد الحرب.

عاشرا : وختاما فإن سيكولوجية الصائم أثناء الحرب هي حالة إنسانية معقدة تتجاوز الفقه التقليدي إلى عمق المعاناة البشرية. والصيام في الحرب ليس مجرد امتناع عن مفطرات، بل هو اختبار للحدود القصوى لقدرة الإنسان على التحمل ذلك أن العبادة يمكن أن تكون سيفاً ذا حدين؛ فإما أن تكون مصدر قوة وصمود روحي يساعد في تجاوز الصدمة، أو أن تكون عبئاً إضافياً يفاقم الإجهاد إذا لم يقترن بالدعم المادي والنفسي. فالإنسان في الحرب يبحث عن “معنى” لبقائه، والصيام يوفر له هذا المعنى، لكنه يحتاج إلى بيئة داعمة لتحويل هذا المعنى إلى طاقة إيجابية للحياة. وبناء عليه فعلى الجهات الإغاثية مراعاة التوقيت الزمني لتوزيع المساعدات الغذائية لتتزامن مع أوقات الإفطار قدر الإمكان لتعزيز القيمة المعنوية للصائم. كما يجب الحث على دمج المستشارين الدينيين مع الأخصائيين النفسيين في فرق الدعم، لاستخدام “العلاج الروحي” كجزء من خطة التعافي من الصدمة.
ويبقى دور الفقهاء وعلماء الدين مهما في التيسير على الناس في مناطق الحرب وتذكيرهم برخص الشرع في الفطر للمريض والمسافر والمحارب لتخفيف عبء الذنب عن من اضطر للفطر لإنقاذ حياة أو الحفاظ على صحته للقتال أو العمل.أما الوسيلة الإعلامية ففعالة في تسليط الضوء على قصص الصمود الإيجابي دون استغلال المعاناة، لتعزيز الأمل بدلاً من اليأس .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى