
في ظل التجاذبات السياسية والفكرية المحمومة التي تعيشها منطقتنا، كثيراً ما تضيع الحقيقة بين مطرقة التخوين وسندان الإقصاء. ومن بين الشخصيات التي تثير نقاشاً واسعاً في الآونة الأخيرة، يبرز اسم الدكتور والداعية المغربي حمزة الخالدي، خاصة في آرائه المثيرة للجدل حول القضايا الإقليمية الشائكة، وفي مقدمتها الموقف من الدور الإيراني في المنطقة.
إنني، وبصفتي كاتباً لهذا المقال، قد أجد نفسي في تباين واختلاف مع كثير من الأطروحات التي يقدمها الخالدي، إلا أنني أؤمن يقيناً بأن الاختلاف في وجهات النظر لا يفسد للود قضية، ولا ينبغي أن يكون مطية للنيل من الأشخاص أو التشكيك في نواياهم.
الحجة بالحجة.. والندية في الاختلاف
يرتكز الدكتور الخالدي، ومعه طيف غير قليل من السياسيين والعلماء والشيوخ، على رؤية شرعية وسياسية لها مقدماتها ومنطقها الخاص. فهم يقرأون المشهد من زاوية “صراع المشاريع”، ويرون أن التحولات الجيوسياسية الحالية تستوجب حذراً عقديّاً وسياسيّاً لا مهادنة فيه. هذه الرؤية، وإن بدت للبعض “متشددة” أو “خارج سياق اللحظة”، إلا أنها تنطلق من غيرة واضحة على ثوابت يراها أصحابها خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.
وهنا تجب الإشارة إلى نقطة جوهرية في أدب الاختلاف؛ فمثلما نختلف نحن معهم في قراءتهم للواقع، فهم أيضاً يختلفون معنا في منطلقاتنا وتقديراتنا. هذا التباين المتبادل هو جوهر الحراك الفكري السليم، وليس مبرراً للقطيعة؛ فالحقائق السياسية غالباً ما تكون نسبية وتتحمل أكثر من وجه للتأويل.
تجاوز لغة “الخندقة”
إن أخطر ما يواجه خطابنا المعاصر هو “الخندقة”؛ أي حصر كل من نختلف معه في زاوية الاتهام والعمالة أو التراجع عن الثوابت. إن الخالدي وغيره من الرموز الدعوية يحملون همّ الإصلاح والدعوة، ويسعون -من وجهة نظرهم- إلى حماية المجتمع من اختراقات يرونها مهددة لنسيجه.
فحين ينتقد الخالدي نفوذ طرف إقليمي معين، فهو لا يفعل ذلك بالضرورة خدمة لأجندة مضادة، بل انطلاقاً من قناعات تاريخية وفقهية تستحق النقاش الهادئ بدلاً من الهجوم الحاد. إننا بحاجة إلى ثقافة تعترف بـ “أهلية الخلاف”؛ فليس كل من خالفنا في تقدير الموقف السياسي قد خان الأمانة أو ضل الطريق.
ميزان الإنصاف
إن الإنصاف يقتضي منا أن نقرأ هؤلاء العلماء والشيوخ في سياقهم الكلي؛ فهم جزء من نسيج فكري ودعوي يسعى لإيجاد إجابات لأسئلة الواقع المعقدة. قد نختلف معهم في “الأولويات”، أو في “قراءة موازين القوى”، لكن يظل هدفنا المشترك هو نهضة الأمة واستقرارها.
ختاماً، إن قوة المجتمعات الحية تكمن في قدرتها على احتواء التباينات الفكرية دون اللجوء إلى شيطنة الآخر. حمزة الخالدي، وغيره من أصحاب الرؤى النقدية، يمثلون صوتاً في خارطة التعددية الفكرية، والرد عليهم لا يكون إلا بالحجة والبرهان، مع الحفاظ على التقدير اللازم لمن نذروا أنفسهم لخدمة قضايا الفكر والدعوة.
فالاختلاف في الاجتهاد السياسي هو سعة، والإنصاف مع المخالف هو قمة النضج الفكري.



