رأي

 ردّ على مقال الدكتور رشيد بنكيران حول فكرة “التوازن بين إيران وإسرائيل”

بقلم الدكتور حمزة الخالدي

لفت نظري مقال يتحدث عن غياب ما يسمى بالمحور السني، ويخلص إلى أن مصلحة الشعوب السنية اليوم هي وجود توازن بين قوتين في المنطقة: إيران وإسرائيل، بحيث لا تنهار إيران ولا تنتصر إسرائيل.
والحقيقة أن هذا الطرح فيه بعض الملاحظات التي تحتاج إلى تفكيك بهدوء.
أولاً: من الصحيح أن الدول الحديثة في العالم الإسلامي – ومنها الدول العربية – لا تبني سياساتها الخارجية على أساس مذهبي خالص، بل على اعتبارات المصلحة والأمن والتحالفات الدولية. وهذا واقع معروف في السياسة الدولية منذ قرون، وليس خاصاً بالدول العربية وحدها. لكن تحويل هذه الحقيقة إلى نتيجة مفادها أنه لا وجود لأي محور عربي أو أن مصلحة الشعوب السنية تقتضي بقاء إيران قوية لتحقيق التوازن مع إسرائيل هو استنتاج فيه قدر من التبسيط.
ثانياً: المقال يفترض أن وجود قوتين متنافستين في المنطقة قد يحقق نوعاً من التوازن المفيد للشعوب. غير أن التجربة التاريخية والواقعية كثيراً ما تثبت أن صراع القوى الكبرى لا يخلق توازناً بقدر ما يحول المنطقة الضعيفة إلى ساحة للصراع بينها. وقد رأينا في العقود الأخيرة كيف تحولت دول مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان إلى ميادين صراع بين مشاريع إقليمية ودولية، وكانت الشعوب هي الخاسر الأكبر في النهاية.
ثالثاً: من المغالطات التي يقع فيها هذا النوع من الطرح أنه يقدم الخيارات وكأنها محصورة بين مشروعين فقط: المشروع الصهيوني أو المشروع الإيراني. بينما الواقع يسمح بموقف ثالث واضح، وهو رفض المشروعين معاً. فالمشروع الصهيوني مشروع احتلال وتوسع لا شك في ذلك، لكن المشروع الإيراني بدوره – كما ظهر في عدد من الدول العربية – يقوم أيضاً على التوسع السياسي وبناء النفوذ عبر الميليشيات والتدخل في شؤون الدول. ومن حق شعوب المنطقة أن ترفض الاثنين معاً دون أن تُجبر على الاصطفاف خلف أحدهما.
رابعاً: من الناحية الشرعية، فإن السياسة في الإسلام لا تقوم على موازنة الظالم بالظالم، بل على تقليل المفاسد وحفظ مصالح المسلمين. وقد قرر أهل العلم أن الشريعة مبناها على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها. فإذا كان كلا المشروعين في المنطقة ينتج عنهما ضرر على المسلمين في مواطن مختلفة، فليس من الفقه أن يُطلب من الناس تقوية أحدهما بدعوى تحقيق التوازن.
خامساً: أصاب الكاتب في نقطة مهمة حين أشار إلى أن المشكلة الكبرى هي غياب مشروع حضاري مستقل يعبر عن مصالح شعوب المنطقة. لكن الخطأ هو أن يُجعل الحل في انتظار توازن بين مشاريع أخرى. فالأمم لا تنهض عبر التوازن بين خصومها، بل عبر بناء قوتها الذاتية ومشروعها السياسي والحضاري المستقل.
وخلاصة القول: ليس المطلوب من شعوب المنطقة أن تختار بين مشروعين متنافسين، بل أن ترفض الهيمنة أياً كان مصدرها، وأن تعمل على بناء مشروع حضاري وسياسي مستقل يحفظ مصالحها وهويتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى