رأي

إماطة اللثام برفع الملام عن إخراج زكاة الفطر نقدا أو من الطعام

بقلم الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام

بحثنا الحالي بحث مستفيض شاف وكاف قدمته يوم الجمعة لِقُرْبِ زكاة الفطر بأيام قلائل، وهو عبارة عن سؤال يتكرر كل عام مفاده: هل أصناف زكاة الفطر توقيفية بحيث لا يجوز تغييرها؟ أم يجوز إخراجها نقدا. هل هي للمِثال، أم للحصر، وهل المقصود القوت أمِ الصِّنْف؟
ابتداء زكاة الفطر لها أجر عظيم مَحْوًا لكل الشوائب التي تعلق بفريضة الصيام، وهي واجبة على القادر عليها، فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” لَا يَزَالُ صِيَامُ الْعَبْدِ مُعَلَّقًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى يُؤَدِّيَ زَكَاةَ فِطْرِهِ ” أخرجه الخطيب البغدادي، وابن عساكر، وابن الجوزي، وابن شاهين، والضياء؛ وهو حديث جيد الإسناد.
وحتى على الفقير إذا قُدِّرَ له جمع ما يزيد عن حاجته من الطعام ومن يعول وجب عليه إخراج زكاة فطره عن نفسه، ومن يعول كغيره أيضاً لاستيفائه شروطها. قال جمهور الفقهاء: “إنها واجبة في حق الفقير، ولو بما أخذه”جَمَعَهُ” من الناس زكاة إذا كان زائداً عنه وعمن يعيله، يخرج عنه وعنهم، وهي محققة في حقه “، وهذه من النكت الفقهية المتوقَّعة تداولا بين العلماء.
ثم نثني القول بإيراد هذا الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، والمَرْوِي عن بن عمر رضي الله عنهما، والمحدِّد لأصناف الطعام في زكاة الفطر:
قال: ” فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين”. وفي حديث لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:” كنا نُخْرِجُ زكاة الفطر صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والتمر والأَقِطُ (وهو اللبن أو التمر المجفف) “. الحديث رواه البخاري أيضا. وتلاحظون أن الحديثين لم يأتيا على ذكر الأرز، والفول، والحمص، والفاصوليا، والعدس، والذرة، وغير ذلك من القطاني التي لم تكن معروفة آنذاك في الجزيرة العربية.
والسؤال الذي يتبادر للأذهان: هل هذه الأصناف المذكورة تعبُّدية لا يجوز تغييرها وهل المقصود الصنف أم القوت؟
الجواب الشافي: إنها ليست تعبدية صِرْفة لأن الشريعة الإسلامية جاءت لمراعاة مصالح البلاد والعباد، ومراعاة تَغَيُّر الزمان والمكان والحال، ذلك أن الأصناف المذكورة لذاتها غير توقيفية بدليل اختلاف الروايات في العدد لأن المقصود ما يقوم مقام الطعام الذي يقتاته الناس لا التزام هذه الأنواع بذاتها.
قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: « كُنَّا نُخرٍجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِط والتمر».
وضابط القوت في زكاة الفطر عند جمهور الفقهاء: هو ما يقتاته أهل البلد غالبًا، أي الطعام الذي يَعتمِدُ عليه الناس في غدائهم اليومي ويُشْبِعهم، لا ما يكون من الكماليات أو الفواكه.
فالمالكية والشافعية قالوا: ” العبرة بالقوت الغالب في كل بلد، والحنابلة قالوا بأنه لا يجزئ إلا الأجناس الخمسة المنصوص عليها سَلَفا.
أما الحنفية فقالوا: يجوز إخراجها من الأصناف المذكورة أو من غيرها، بل يجوز إخراج القيمة.
وبالقيمة أفتي بإلحاح في هذه النازلة موافقة للمجلس الأعلى لعلماء المغرب المحدِّد لها كخلاصة وقرار نهائي في 25 درهما بمقدار 2,5 من الدقيق الممتاز، ومن أراد المزيد على المبلغ المذكور، فله ما يريد مضاعفة للأجر والثواب.
والعجيب الغريب أن هناك ثلة من الدعاة يُلْزِمون _ كعادتهم كل سنة _ الناس عبر كتاباتهم ودعواتهم في وسائل التواصل الاجتماعي بإخراجها طعاما تَبَعًا للسُّنة إلى درجة قذف من يُخرِجها نقدا بعدم التقيد بفعل الهدي النبوي، وعمل الصحابة والتابعين من بعده؛
والحقيقة أن هؤلاء مجانبون للصواب والهدي النبوي الشريف، فإذا أخرجناها طعاما كما يدَّعون، فمن أين لهذا المحتاج أن يشتري اللوازم والأغراض التي تَخُصُّه لتحقيق فرحة العيد؛ وليكن في علمهم أن الفقراء يضطرون لبيع ما جمعوه من أطعمة لمنتهزي الفرص بثمن بخس لِيَتِمَّ تخزينها وبيعها من جديد، وهذه العملية تتكرر حتى في صدقة عيد الأضحى لحما. لذا؛ فديننا جاء لتحقيق مناط المصالح رعاية لها في قوله صلى الله عليه وسلم: «أُغْنٌوهُمْ عن السؤال في هذا اليوم »، ولا يتحقق هذا الاكتفاء إلا بإخراجها مالا. ومن الذين أجازوا إخراجها زيادة في الاطمئنان إضافة إلى قول الحنفية: سيدنا عمر بن الخطاب، وعدد من الصحابة رضي الله عنهم، وجماعة من التابعين كالحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، واختيار جمع من العلماء لأن المقصود من زكاة الفطر دَفْعُ حاجة الفقير وإغناؤه عن السؤال في يوم العيد.
خلاصة الأمر أنَّ فيه سَعَةٌ، فمن أراد أن يُخْرِجَهَا طعامًا فيجوز، ومن أراد أن يخرجها مالًا فيجوز، وكلٌّ على صواب وموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم غير أن إخراجها مالا أرجح وأوفق في هذا الزمان.
ووقت إخراجها قبل عيد الفطر، ويجوز إخراجها قبل ثلاثة أيام، ومن أخرجها قبل الثلاثة بيومين لكان أفضل له حتى يتمكن الفقير من شراء لوازمه في عيده لإدخال الفرحة على أهله وأفلاذ كبده نظرا لغلاء أثمنة الألبسة، وغيرها من المقتنيات فرصة يستغلها معظم التجار كما هو ديدنهم في كل المناسبات في الثلاثة الأيام المتبقية.
بقي الحديث عمَّن يستحِقُّون هذه الزكاة الخاصة بهذا العيد.
لقد اختلف العلماء في مصارف زكاة الفطر على ثلاثة أقوال:
1- قول الجمهور: جواز قسمتها على الأصناف الثمانية التي تٌصرف فيها زكاة المال.
2- وذهب المالكية وهي رواية عن أحمد إلى تخصيص صرفها بالفقراء والمساكين.
3- وذهب الشافعية إلى وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية، أو من وُجِدَ منهم استنادا على قوله تعالى بسورة التوبة:
” إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) “. بالإضافة لهذه الأصناف الثمانية المذكورة في الآية، فيشمل صَرْفُها كذلك (فَالْمُقَرًّبِينْ أَوْلَى) للإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وأزواج البنات وأولادهم، ومن ينفق عليهم ممن لا يلزم بالإنفاق عليهم، فإن أُلزم فلا. ولا تصرف البتة للأصول وإن عَلَوْا: نقصد الأب والأم والجد والجدة، وكذلك لا تصرف للفروع وإن “سَفُلوا ” أي: وإن نزلوا: الأبناء وأبناء الأبناء تسلسلاً، والبنات دون بناتهن.
والأولى أن يخرجها في البلد الذي يعيش فيه، كما ذكر أكثر أهل العلم، لأنه على المسلمين في كل بلد أن يغنوا من كان ببلدهم من الفقراء.قال ابن قدامة:” فإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها جاز نقلها، نص على هذه الفتوى عليه الإمام أحمد بن حنبل “.
وتجب على كل مسلم صغيرا كان أو كبيرا، إلا الجنين، فإنه لم يولد بعد، وحتى إن أخرجت عنه الصدقة تيمنا باستوائه وطلبا لصلاحه، وهناك من قال باختصاص إعطائها للفقراء والمساكين مستدلين بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ»؛ وعلى أيٍّ إنَّ الأمر فيه سَعَةٌ؛ وبأيِّ المذاهب خُذْتَ، فقد فُزْتَ.. وبه وجب الإعلام والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى