رأي

تعويم المسؤولية… لماذا يُحرم المواطن من محاسبة من صوّت لهم؟

حسن حمورو

شهدت محطات توزيع المحروقات، ساعات قليلة قبل دخول قرار الزيادة في الأسعار حيز التنفيذ، حالة من الفوضى غير المسبوقة، عبرت عنها طوابير طويلة، وتدافع وتوتر ظاهر في وجوه الناس، كان المشهد أقرب إلى لحظة قلق جماعي منه إلى سلوك استهلاكي عادي.

ولا ينبغي أن يُلام المواطنون على تصرفاتهم، فعندما يتسلل الخوف إلى الحياة اليومية، يدفع الناس إلى ردود فعل غريزية تجاه حاجياتهم، مثل التخزين والتسابق، لمحاولة تفادي الأسوأ.

وقد كانت الفوضى، في بعض لحظاتها، حسب شهادات وثقتها مقاطع فيديو وتصريحات تناقلتها الإذاعة الوطنية والمواقع الالكترونية، قريبة من الفتنة، ولولا لطف الله لكان من الممكن أن تتحول تلك التجمعات المتوترة قرب محطات الوقود إلى شيء آخر غير محمود العواقب.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بسلوك المواطنين، بل بمن اتخذ القرار، ومن قرر هذه الزيادة؟ ومتى اتُخذ القرار؟ وتحت سلطة وإشراف من؟

ويطرح السؤال كذلك حول الحكومة التي يعرف المواطنون رئيسها، ويعرفون وزراءها؟ أليس هؤلاء هم من منح المواطنون لأحزابهم الأصوات في الانتخابات؟ أليسوا هم المفترض فيهم تحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي تمس الحياة اليومية للناس؟

أم أن الشركات هي التي قررت؟
وإذا كانت الشركات هي التي قررت فعلا، فبناء على أي سلطة؟ ومن يحاسبها؟

إن الشركات، مهما كان حجمها وتأثيرها، تبقى بعيدة عن المحاسبة الشعبية المباشرة، وأقصى ما يمكن أن يفعله المواطنون تجاهها هو المقاطعة، وهي وسيلة احتجاج قد تكون محدودة ومؤقتة، ولا تعوض آلية المحاسبة السياسية، التي يفترض أن توفرها الديمقراطية.

المشهد اذا كما هو أمام الرأي العام، اختفاء للحكومة وأحزابها، وتحول القرار إلى كيان بلا وجه سياسي واضح، وبالتالي أصبحت المسؤولية “معوّمة”، لا أحد يتحملها صراحة، ولا أحد يُسأل عنها مباشرة، وهنا يفقد المواطن أهم ما تمنحه له الديمقراطية، وهو القدرة على محاسبة من صوّت لهم.

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تترشح شركات المحروقات وغيرها للانتخابات،
لتدخل المعترك السياسي مباشرة، وتطلب من المواطنين التصويت لها، إما تزكية لسياساتها، أو عقابا لها على قراراتها.

إن المشهد في هذه الحالة يبدو عبثيا إلى حد بعيد، يشبه لعبة يعرفها المغاربة جيدا في فضاءات “لافوار”، إنها لعبة الخيط، يضع المواطن أصبعه ظنا منه أنه أمسك بالعقدة، فيتم سحب الخيط، ليجد المواطن الفراغ تحت أصبعه!

في هذه اللعبة، الخيط هو الديمقراطية، والعقدة هي الانتخابات، والأصبع هو الصوت الانتخابي، وهكذا هي السياسة في بلادنا، تشبه اللعبة، لا يربح منها المواطن الشيء الكثير، بقدر ما يصير هو موضوعها الرئيسي بين أيدي اللاعبين الكبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى