رأي

تنبيه وبلاغ قوي للفائزين والخاسرين ظَفَرًا بجائزة رمضان حسب النهج السوي.

بيراع الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام.

نحن في هذه اللحظة نعيش على مَقْرُبَةٍ من توديع أفضل شهر على الإطلاق نظرا لنزول القرآن فيه، وبالضبط في ليلة القدر لدى قوله تعالى بالسورة المسماة باسمها ﷽:
﴿ إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَآ أَدْرَآكَمَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾
فَلْنَقِفْ بِحَزْمٍ مع أنفسنا لحظة مصارحة صدق، ومكاشفة لا مجاملة فيها: هل بالفعل تغيَّرت أحوالنا، وتقَوَّى إيماننا وتَمَسَّكنا بحبل الله المتين… أًم مَرَّ الشهر علينا كما مرّ غيره من الأيام؟ هل اقتربت قلوبنا من خالقنا ورازقنا أم ظلت كما هي متذبذبة في تأجيل التوبة مترديَّة كالعادة؟
رمضان المبارك _ أيها الإخوة والأخوات الأكارم _ ليس أيامًا تُعَدُّ… بل هو نفوسٌ تُهَذَّبُ، وقلوب تلين وتُرَطَّبُ، وليس عبادة مؤقتة تُمَرَّرُ… بل هو بحق بداية طريق للتغيير نحو الأفضل… ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ من ذنبه». قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ” المراد بالإيمان: الاعتقاد بِفَرْضية صومه. وبالاحتساب: طلب الثواب من الله تعالى”. وحده لا شريك له مخلصا له الدين، لا بَطَرَ ورياء فيه.
إذًا؛ فالرابح الحقيقي المُشَاد بالاِحْتِساب ليس من صام فقط، بل من خرج من رمضان بقلبٍ أنْقَى، ونَفْسٍ أقوى، وعَهْدٍ جديد مع الله على عدم النكوص والرجوع والتذبذب في الدين واليقين. والحقيقة المُرَّةُ أنَّ التغيير نحو الأمثل صعب التحقق لا يقدر عليه إلا المخلصين الأشاوس الأبطال الذين يوفون بالعهود مُسْتَمْسِكِينَ بِالعُرْوَةِ الوثقى التي لا انفصام لها، ومُرْغِمِين أنفسهم الأمارة بالسوء للثبات على طريق الهدى في هذا العالم المليء بالمُغريات وحبال الشر من كلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، ومهما حاول العبد الفُكَاكَ منها لابد وأَنْ يَمَسَّهُ رَذَاذُهَا.
ولكن، فلا يَأس ولا قَنوط من رحمة الله، فهناك تعويض آخر عن التقصير في هذا الشهر الفضيل زَفَّ لَنَا بُشْراه الحديث الشريف الوارد بصحيح مسلم؛ عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ “. وصيام هذه الأيام مستحبٌّ، وتبدأ ثاني شوَّال لأن الأول عيد الفطر المُحَرَّم صومه بالقطع، ويجوز صيامها متفرقة أو متتابعة، والأفضل المبادرة بها بعد العيد.
وفوائد صيامها تتمثل في دوام شكرك الله تعالى على توفيقه إياك لصيام رمضان، وعلامة دالَّة على قَبٌول صوم رمضان، لأن الحسنة تدعو إلى الحسنة بعدها. بالإضافة إلى جَبْرٍ النقص والخَلَلِ الذي انتابك في صيام الفرض، كما تَجْبُرُ السُّنَنُ الرواتب صلاة الفريضة.
فلنجعل العبرة ليست في وداع رمضان…بل في: ماذا سيبقى من رمضان بعد رحيله؟
فاللهم لا تجعل رمضان آخر عهدنا بالطاعة…
واجعلنا مِمَّن تغيّروا للأفضل، لا ممن عادوا كما كانوا…
فإن كنا من المحسنين فَلْنَثْبُتْ على الطريق القويم، وإن قصَّرنا فيه فلا يَأْسَ، وقَنُوطَ من رحمة العزيز الغفار لأن بابه لا يُغْلَقُ لا بالليل ولا بالنهار يعزز ذلك ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ” إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يُعْطَى له؟ هل من داع يُسْتَجَابُ له؟ هل من مستغفِر يُغْفَرْ لَهْ؟ حتى يَنْفَجِرَ الصبح “. إلا مظالم العباد لا يرفعها الصيام وحده، ولا تمحوها صلاة التراويح مهما طالت ركعاتها، ولا تُغْلَقُ ملفّاتها كثرة الختمات وحلاوة التلاوة: هي حقوق ثابتة، لا تسقط بالعبادة، ولا تُغْفَر مع بقاء الظلم معلَّقًا في الأعناق..
ولنعترف أن الغالبية العظمى تأكل أموال الناس بالباطل، فقد طُفْتُ بالعديد ممن يشتغلون بالتجارة بشتى صنوفها، وأخرجوا لي كُناشات ضخمة قديمة ومتتالية مُعدَّة للسلف لأناس لاَبَاسْ عْلِيهُمْ: هناك من مات أصحابها ولم يأت الورثة لسدادها، وخَلَفَهُم رعيلهم على النهج نفسه أكلا للحرام بعينه، وصدقتهم القول بسبب توزيع كتاب لي ألفته في الكوتشينج النبوي على ذوي الدخل المحترم ممن ينشدون الثقافة قصد المساهمة في ثمن نسخه دون مرابحة، وانصرم رمضان إلى رمضان قُرب فواته إلى الآن، ولم يعطوني ريالا أبيض، وألتقي ببعضهم، فيمتنعون عن الأداء والرد بوجه عادي طَلْقٍ قائلين: ” والله ما هَازْ معاي حتى لعبة، [وهو يشتري اللحم]. صافي غادي نخليه لك عند فلان، وكل شي كذوب فكذوب، والله ينوب ويتوب”. ولذلك قررت عدم خوض أي تجربة تأليفية أخرى بسبب عدم قدرتي على الطبع نظرا للخسارة المالية التي مُنِيتُ بها (من قِبَل أمة اقرأ) المشجعين الصُّوريِّين بالبسمات لا المساهمات؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!!! معذرة إِنْ حشرت نفسي ضمن موضوع التماطل في الأداء لأن العديد بحق مُصَابْ بعٌضال مرض:
تَهَرَّافْتْ (عدم السداد النهائي) التي زكمت رائحتها البلاد والعباد متناسين محكمة رب العباد التي تحاسب على مثقال الذرة دون الرجوع إلى الدنيا والكَرَّةِ. وبه تمام الكلام والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى