
لا يمكن أن يتنازع عاقلان في أن المغرب يعرف غلاء فاحشا على مستوى الأسعار، كل هذا حرك كل الفاعلين الغيورين من توجيه انتقادات حادة للحكومة الحالية على فشلها في التقليص من هذه الموجة التي أدت إلى تضرر القدرة الشرائية، فمن المسؤول عن هذه الوضعية المزرية؟ سيقول البعض إنها موجة عالمية، لكن يمكن طرح الأسئلة التالية: أين يتموقع تضارب المصالح في تعميق الأزمة؟ كيف تتعامل الحكومة مع الاحتكار والمضاربة؟ هل من تقويم موضوعي للدعم المقدم على جميع المستويات الذي لا تأثير له على الوضعية المشتعلة؟ بأي منهج تعمل آليات المراقبة؟ يبدو لي أن أسئلة كثيرة تتناسل أمام هذه الأزمة الخانقة، التي زادت الطبقة العليا المحظوظة غنى وجعلت الطبقة المتوسطة ضعيفة، والطبقة الضعيفة هشة.
تم استغلال ما يقع في الشرق الأوسط، وتقررت زيادات من قبل الشركات الموزعة للمحروقات في أسعار البنزين والغاز دون مراعاة الوضعية المزرية للمواطنات والمواطنين دون احترام القوانين المنظمة للأسعار، لأن هذه الزيادة استغلال فاحش للوضعية المزرية لتحقيق الأرباح غير المشروعة. مع العلم أن تصريحات الحكومة السابقة أكدت أن مخزون الوقود بالمغرب كاف لمدة معينة، دون تسجيل أي اضطرابات في التمويل. إنها حكومة تسبح في التصريحات العشوائية والمتناقضة مما فقدها الشرعية والمشروعية وعدم الوفاء بالتزاماتها في برنامجها الحكومي الذي به نصبت من قبل مجلس النواب. إن مشكلها الحقيقي هو ضرب المنافسة الشريفة بين جميع المهتمين وتوزيع الغنائم على المقاس.
إنها زيادة شكلت صدمة جديدة للمغاربة، لا لشيء سوى أنها وقعت بهذه الوقاحة الباردة، وكأن جيوب الناس أرض مستباحة والقدرة الشرائية بقرة حلوب لا يجف ضرعها. كما أكد الصحفي يونس مسكين مدير موقع صوت المغرب. لقد طبعت الحكومة مع الفساد، وأصبحت تفعل كل شيء إلا الاستماع للأصوات الحرة التي تنبه وتنصح لكن للأسف لا حياة لمن تنادي. إن الحكومة لها مسؤولية كبرى فيما يقع، لقد بلغ السيل الزبى وتأزمت الوضعية الاجتماعية بشكل مخيف، صحيح أن التأثير الخارجي له انعكاس، ولكن كيف واجهت الحكومة ما يقع؟ فبدل أن تبحث عن حلول بنيوية لأنها طالما نادت بالسيادة الطاقية، ظلت ترد الأزمة إلى العالم الخارجي فقط. فأين اختفت هذه الخطابات الزائفة والمنمقة، أين الرؤية الاستباقية التي تشدقت بها الحكومة في كل بلاغاتها؟ كل هذا تبخر ولم تجد الحكومة دائما إلا كاهل المواطنات والمواطنين فأين شعار الدولة الاجتماعية، فلسفيا وتشريعيا وعمليا؟ إن الذي حير المتتبعين أنه كلما انخفضت الأسعار عالميا كلما ظلت ثابتة عندنا أو تزداد، لماذا هل نحن استثنائيون في كل شيء؟ فالاستثناء له تقاليده ومعاييره أما ما تقوم به الحكومة هو توزيع الأوهام وبيعها كما قال رئيس الحكومة في أحد المجالس الحكومية بأن الاقتصاد الوطني يعرف تطورا إيجابيا رغم السياق الدولي المطبوع بتقلبات اقتصادية متسارعة.
إننا نعيش هشاشة تدبيرية حكومية أثرت على الأخضر واليابس، الذي لم تستطع توفير الحد الأدنى من العيش الكريم في ظل الكرامة الإنسانية والتي لا تصان إلا بصون المال العام وتوزيعه بناء على القيم الديمقراطية، والسبب واضح : الاحتكار وتضارب المصالح، والتملص من المراقبة والمسؤولية، وعدم القدرة على التقليص من الزيادات الفاحشة والتي تتقارب فيما بينها، وغياب الشفافية، وعدم أخذ الاقتراحات من أهل التخصص الموضوعيين، وغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. إن ضمان بيئة اقتصادية واجتماعية آمنة ومستقرة تتطلب من الجميع مواجهة الاستغلال ونشر الشفافية وتعزيز الثقافة المغربية الأصيلة.
لقد أبرزت الحكومة عجزا مفضوحا على جميع المستويات، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، كل هذا فتح المجال للمضاربين للغوص في كل شيء بدون رقيب، والادهى من هذا مست المواد الأساسية، وتدهورت الخدمات، وتوسعت الفوارق الاجتماعية وظلت الأجور لا ترق إلى هذه التحولات. أما المنظومة الضريبية فلا ترقب إلا ولا ذمة في المرتفقين، مما أزم وضعية المتقاعدين وارتفعت نسبة البطالة. إذن ما بقي للحكومة اليوم، هو تدبير الفشل، والهزيمة وارتفاع المديونية وغيرها من المآسي.
هل قلص استيراد الأغنام والأبقار الذي تم بالريع من أسعار اللحوم وصيانة القدرة الشرائية؟ كيف حاربت الحكومة الجشع أم أنها كرسته؟ ما تأثير أكثر من مليار و300 مليون درهم الذي خصصت لدعم هذا الاستيراد؟ وكم عدد المستوردين الذين استفادوا من هذا الدعم؟ أمام هذا الوضع الكارثي يحاول أعضاء من الحكومة المشكلة من ثلاثة أحزاب توزيع التهم فيما بينها وهذا لعمري في القياس شنيع، أين كان هؤلاء طيلة فترة الانتداب الحكومي؟ إنها مسؤوليتكم المشتركة يا سادة و”الشمس ما تتغطاش بالغربال” إن ما قمتهم به مس كل مواطنة ومواطن في البادية والمدينة والجبال إذن لا داعي “للمكيجة قبل غسل الوجه”. لأنه عندما وقع الشيخ قالوا “من الخيمة خرج مايل”. ولأنه ما بني على باطل فهو باطل.
بدل أن تقوم الحكومة بنقد ذاتي وتعترف أمام المواطنين بفشلها وكل المؤشرات تدل على ذلك يبدأ تبادل التهم بين أطرافها، وهذه حجة عليهم لا لهم، لأنه اعتراف ضمني بالفشل وكل واحد يريد أن يتزعم “حكومة المونديال” كما يدعون، ناسين أن هذا ملف حصري لجلالة الملك الذي انتهج دبلوماسية الوضوح والطموح من أجل كسب المغرب تنظيم الكأس رفقة الجارتين: إسبانيا والبرتغال. لا يمكن لكم نفي مسؤوليتكم عما وقع.
الحديث يطول “الحصول” إن الحكومة مسؤولة عما وقع من ارتفاع الأسعار في المواد الحيوية والاساسية، وشبكات التواصل الاجتماعي ومراكز البحث وخبراء يؤكدون هذا بالدليل والبرهان، ولا يمكن للحكومة إلى أن تتصف بالموضوعية من أجل الاعتراف بدل الاختفاء دوما وراء الأزمات الدولية التي لا ننقص من تأثيرها. لقد ذهب بعض الفاعلين إلى فتح تحقيقات فيما قامت به الحكومة في قطاعات متعددة، كما طالب نواب بلجن تقصي الحقائق في كثير من القضايا التي أثارت الرأي العام، لكن الأغلبية الحكومية حالت دون ذلك. لقد أثرت الزيادة بمحطات الوقود على المواد الغذائية مما زاد الطين بلة على مستوى ارتفاع الأسعار، هل أخذت الحكومة اليوم مبادرات بعدما ارتفع سعر النفط العالمي من أجل التقلص من التداعيات بدل إثقال كاهل المواطنات والمواطنين بالضربات القوية منذ انطلاق هذه النسخة الحكومية الضعيف جدا؟ ختاما نقول: هل “سيخرج سربيس الحكومة بخير” لا أظن ذلك لأنه لا أثر يدل على المسير ولا ماء يدل على الغدير.




