
«في خضمّ ما تشهده المنطقة من عدوانٍ مزدوج على إيران، وما أعقبه من ردود فعل عسكرية متبادلة ألقت بظلالها الثقيلة على المجال الخليجي، تبدو الجغرافيا العربية مرة أخرى مسرحًا لصراع تتقاطع فيه إرادات القوى الكبرى مع حسابات إقليمية معقدة. وبين صواريخ الردع، وبيانات التهدئة، وحالة القلق التي تعيشها عواصم الخليج، يطفو سؤال أعمق من الحدث نفسه: هل تتصرف المنطقة بوصفها فاعلًا استراتيجيًا يمتلك رؤية متماسكة، أم بوصفها مجالًا لتصريف صراعات الآخرين؟
هذه الأسئلة ليست وليدة اللحظة. ففي بحث لي تحت عنوان “المعوقات السياسية للتنمية في البلاد العربية”، خلصتُ إلى أن العائق الأكبر أمام التنمية لم يكن ندرة الموارد ولا ضعف الإمكانات، بل اختلال البنية السياسية العربية ذاتها: استمرار التجزئة، ضعف التكامل، هشاشة القرار السيادي أمام الضغوط الخارجية، وتحول التحالفات إلى بديل عن بناء القوة الذاتية. واليوم، مع تصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أن تلك الخلاصات لم تفقد راهنيتها؛ فالأمن والتنمية والسيادة ليست مسارات منفصلة، بل أبعاد متداخلة لمعركة واحدة. وحين يُدار الصراع بمنطق الارتهان أو بردود الفعل، تُستنزف الموارد ويُعاد إنتاج الهشاشة ذاتها.
في لحظات التوتر الإقليمي الكبرى، تميل الذاكرة السياسية العربية إلى الانتقاء لا إلى التعلم. نستدعي مشاهد الماضي لنستنفر العاطفة، لكننا نادرًا ما نستخلص منها منطقًا استراتيجيًا يحمي الحاضر. ولعل المقارنة بين ما جرى إبّان الحرب العالمية الأولى، حين راهن حسين بن علي الهاشمي على تحالف مع بريطانيا ضد الدولة العثمانية، وبين ما تعيشه المنطقة اليوم من ارتهانٍ لتوازنات خارجية، تكشف مفارقة موجعة: التاريخ لا يعيد نفسه، لكننا نكرر أخطاءه بأسماء جديدة.
حين انطلقت الثورة العربية سنة 1916، كان الوعد كبيرًا: استقلال عربي ووحدة سياسية تعيد رسم الخريطة على أساس الإرادة المحلية. غير أن نهاية الحرب لم تأتِ بالدولة الموعودة، بل جاءت بتقسيمات وانتدابات وترتيبات دولية كرّست التجزئة، في سياق أعقب إعلان بلفور وأعاد هندسة المنطقة وفق مصالح القوى المنتصرة. لم يكن الخلل في فكرة البحث عن مخرج سياسي، بل في سوء تقدير موازين القوة وفي الارتهان لوعود لم تكن مسنودة بقدرة ذاتية تحميها. هكذا تحوّل الحلم إلى خريطة ممزقة، وتحول التحالف التكتيكي إلى مدخل لإعادة إنتاج التبعية بأشكال أكثر رسوخًا.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، تبدو المنطقة العربية وكأنها لم تتعظ من منطق تلك اللحظة. فبدلاً من تحويل الثروة النفطية والموقع الجغرافي إلى أدوات لبناء قوة إقليمية متماسكة، يجري تبديد الطاقات في سباقات استنزاف سياسي وعسكري وإعلامي. دولٌ تملك أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتتحكم في عقد الطاقة العالمية، وتجاور ثلاث قارات، لكنها تتصرف غالبًا كجزر متنافرة، لا ككتلة جيوستراتيجية قادرة على فرض شروطها. إن وجود أطر إقليمية مثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو جامعة الدول العربية لم يتحول بعد إلى رافعة فعلية لوحدة القرار، بل بقي في كثير من الأحيان إطارًا شكليًا يُدار بمنطق التوازنات الضيقة لا بمنطق المشروع الحضاري المشترك.
المفارقة الأشد إيلامًا أن التهديدات الإقليمية، بدل أن تدفع إلى مزيد من التنسيق الاستراتيجي، تُستثمر أحيانًا لتعميق الاصطفافات. الصراعات المحيطة تتحول إلى ساحات نفوذ لقوى كبرى، فيما تُستهلك الموارد العربية في شراء الحماية بدل بناء القدرة، وفي تمويل الاستقطاب بدل صناعة التماسك. وهنا يكمن جوهر المشكلة: ليس في مبدأ التحالف مع قوى دولية، فذلك جزء من منطق العلاقات الدولية، بل في تحوّل التحالف إلى بديل عن المشروع الذاتي، وإلى ذريعة لتأجيل الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي يمنح الدولة مناعتها الحقيقية.
لقد علّمنا القرن الماضي أن التجزئة ليست قدرًا جغرافيًا بل خيارًا سياسيًا حين يغيب الأفق المشترك. وكلما طال أمد الانقسام، تعمّقت التبعية البنيوية: تبعية في الأمن، في التكنولوجيا، في الغذاء، في السردية الإعلامية، وحتى في تعريف المصلحة. وهكذا تدخل المنطقة في حلقة مفرغة؛ إذ يُبرَّر الارتهان بالخوف من الخطر، بينما يتعاظم الخطر بسبب الارتهان نفسه.
إن أخطر ما يهدد العالم العربي اليوم ليس فقط التحديات الخارجية، بل نمط إدارة داخلية يُبدد الموارد في صراعات جانبية ويؤجل بناء القوة الحقيقية. قوةٌ قوامها التكامل الاقتصادي، واستقلال القرار الدفاعي النسبي، وتنويع الشراكات الدولية بدل حصرها في محور واحد، وتحصين الجبهة الداخلية بإصلاحات تمنح المواطن شعورًا بالمشاركة لا بالاغتراب. من دون ذلك، تتحول المنطقة إلى مسرح تتقاطع فيه الاستراتيجيات الكبرى، بينما تظل فاعليتها الذاتية محدودة.
إن التنبيه اليوم ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية. فاللحظة الإقليمية الراهنة قد تكون فرصة لإعادة تعريف المصلحة العربية المشتركة، أو قد تتحول إلى فصل جديد من فصول الاستنزاف. وبين هذين المسارين يتحدد ما إذا كانت المنطقة ستظل أسيرة توازنات تُفرض عليها، أم ستنتقل إلى موقع الفاعل الذي يصوغ توازناته بنفسه. »




