
في الوقت الذي تشتد فيه معركة الأفكار وتتسارع وتيرة الشبهات عبر الفضاء الرقمي والمنصات الإعلامية، يبرز سؤال جوهري يعيد تقسيم الساحة الدعوية: هل ينكفئ الداعية على نفسه طلباً “للسلامة” في بيئات معقمة، أم يقتحم لُجج المجتمع بصخبه ومنكراته لإعلاء كلمة الحق؟
إن الجدل الدائر مؤخراً حول “مشروعية” جلوس الداعية في منابر إعلامية قد تشوبها بعض المخالفات، يضعنا أمام مفترق طرق بين مدرستين؛ مدرسة ترفع شعار “سد الذرائع” حتى لو أدى ذلك لإخلاء الساحة تماماً لتيارات التضليل، ومدرسة “الواقعية الدعوية” التي تستمد شرعيتها من الهدي النبوي الأصيل.
دستور المواجهة: “المخالطة والصبر”
وجب الانطلاق من الأصل الشرعي الذي وضعه المعلم الأول ﷺ حين قال: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ». هذا الحديث ليس مجرد نصٍّ عابر، بل هو “دستور للمواجهة”؛ فالمخالطة هنا هي “اشتباك إيجابي” مع الواقع، والصبر على “الأذى” يشمل حتماً كظم الغيظ أمام المنكرات البصرية أو السلوكية في سبيل بلوغ غاية أسمى: وهي حماية عقول الملايين من الاختطاف الفكري.
إن الانسحاب من المنابر الإعلامية بحجة وجود مخالفات في الهيئة أو الشكل ليس “ورعاً” بالضرورة، بل قد يكون تفريطاً في أمانة التبليغ. فإذا كان يوسف عليه السلام قد خالط مجتمعات الشرك لإدارة الأزمات، وإذا كان النبي ﷺ قد غشي نوادي قريش وهي تعج بالأصنام ليتلو عليهم آيات الله، فكيف يسوغ لنا اليوم أن نترك منابر التأثير فارغة يملؤها من يشاء؟
بين ميزان “ابن تيمية” وقواعد “الشاطبي”
لا يمكن قراءة هذا السجال بمعزل عن قواعد الأصول. فقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة المصالح والمفاسد: “الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”. فمفسدة رؤية ما يخالف الشرع في مجلس الدعوة هي “مفسدة صغرى” منغمرة في “المصلحة الكبرى” وهي تبليغ دين الله.
وفي ذات السياق، يضع الإمام الشاطبي في “الموافقات” تأصيلاً دقيقاً لـ “فقه المآلات”؛ فإذا كان خروج الداعية للإعلام سيؤدي إلى تثبيت العقيدة، فإن هذا المقصد الشرعي الحاكم يرفع الحرج عن الوسائل الاضطرارية. إن الابتسامة أو المداراة في هذه المجالس ليست إقراراً بالمعصية، بل هي وسيلة لتأليف القلوب وجذب المخالف، تماماً كما كان هدي الأنبياء.
الخلاصة: الميسور لا يسقط بالمعسور
إن القاعدة الفقهية الذهبية تقول: “الميسور لا يسقط بالمعسور”؛ فإذا كان الداعية لا يملك تغيير واقع الوسيلة الإعلامية (المعسور)، فإنه لا يجوز له شرعاً ترك ما يقدر عليه من بيان وتوضيح (الميسور).
إن معركة الوعي تتطلب دعاةً يمتلكون شجاعة “المخالطة” وصبر “الأذى”، لا دعاةً يكتفون بالفرجة من بعيد. فالإسلام دين حركة واشتباك مع الواقع، وقوة الحق تكمن في قدرته على الظهور في كل مكان، لا في الاختباء خلف جدران العزلة.



