
تشكل المملكة المغربية الشريفة في محيطها الإقليمي، وبخاصة مع دول المغرب الكبير، نموذجا حيا للأمة الإسلامية التي تحاول بكل ما أوتيت من قوة لتحقيق التوازنات الكبرى اقتصاديا، وأمنيا، ومجتمعيا، مع طبيعة الجوار الجيوسياسي الذي كان من المفترض أن يسعى إلى مد قنوات الصلة، وترسيخ النوايا الحسنة، والتشارك في تحقيق التنمية العامة لشعوب المنطقة.
ولا شك أن هذا المطلب يعد من صميم الرؤية الشرعية لعقيدة المسلمين التوحيدية. غير أن المملكة الشريفة بما راكمته من خبرات سياسية، وحكمة، وبعد نظر، لم تكن لتقف في مواجهة أنظمة تترفع عن تحقيق مبدأ الوحدة والاتحاد تحت طائلة مبررات واهية لا ترقى إلى اعتبارها عوائق حقيقية تمنع إقامة مشروع الاتحاد المغاربي.
ولكي نصف بدقة الفلسفة السياسية للمملكة المغربية، يمكن لنا القول بأنها ترتكز على “الجمع بين الأصالة والحداثة”. فالمغرب ينطلق من مرجعية الأمة الإسلامية التي تحث على الوحدة والتعاون كواجب شرعي وأخلاقي، وفي الوقت ذاته، تتحرك بمنطق الدولة الواقعية التي تسعى لتحقيق الاستقرار الجيوسياسي والتنمية الاقتصادية.
وقد ظلت المملكة وفيةً لرؤيتها الشرعية المستمدة من عقيدة التوحيد، والتي تجعل من وحدة الصف ونماء الشعوب مقصداً أسمى. ورغم التحديات، لم تقف المملكة عائقاً أمام مبدأ الاتحاد، بل ترفعت بحكمتها المعهودة عن المبررات الواهية، عاقدةً العزم على تزعم ورش الإصلاح الاستراتيجي بعمق تاريخي يتجاوز الاثني عشر قرناً، وبآفاق تتوافق مع الأصول الشرعية والمبادئ الكونية التي يرتضيها الشرع والعرف الإنساني.
ويتجلى هذا الطرح الحضاري في حجج واقعية تبرهن على صدق التوجه المغربي ونبل مقاصده:
أولاً، يتجسد الإسلام الوسطي في أبهى صوره من خلال مؤسسة “إمارة المؤمنين”، التي لم تكن يوماً أداة إقصاء، بل صمام أمان يحمي المشترك الإنساني وينبذ التمذهبات الطائفية الضيقة. هذا الاستقرار الروحي هو الذي سمح للمغرب بأن يطرح نموذجاً تنموياً يرى في “عمارة الأرض” عبادةً، وفي توفير العيش الكريم للشعوب واجباً شرعياً يتجاوز الحدود الجغرافية.
ثانياً، تبرز حكمة “اليد الممدودة” كخيار استراتيجي أخلاقي؛ ففي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات الفرقة، يختار المغرب لغة البناء والترفع عن الاستفزازات. إنها سياسة “النفس الطويل” التي تؤمن بأن صلة الرحم بين الشعوب المغاربية أقوى من التشكيكات السياسية العابرة، وأن حسن الجوار هو ثمرة يانعة لمنطق التوحيد الذي يدعو للائتلاف لا للاختلاف.
ثالثاً، إن انخراط المملكة في السلام العالمي ومشاريع التنمية الكبرى (كأنبوب الغاز الأطلسي ومبادرات الطاقة الخضراء) ليس مجرد طموح اقتصادي، بل هو رسالة خير للعالم أجمع. إنها ترجمة فعلية لمفهوم “الاستخلاف”، حيث يتحول النجاح الدبلوماسي والأمني المغربي إلى مظلة يستظل بها العمق الإفريقي والإقليمي، بعيداً عن صراعات المحاور وهدر الطاقات في معارك وهمية.
ختاماً، يثبت المغرب أن الأصالة التاريخية ليست قيداً يشد إلى الماضي، بل هي وقود للمستقبل؛ فبين دقة الالتزام بالثوابت ومرونة الانفتاح على الكون، تمضي المملكة الشريفة في كتابة فصل جديد من فصول التميز، حيث تكون السيادة في خدمة الإنسان، ويكون الإصلاح سبيلاً لرضا الخالق ونفع الخلائق.
“إن المملكة المغربية الشريفة لا تمضي في ممر التاريخ كعابرٍ، بل كصانعِ أثرٍ يزاوج بين هيبة الجذور وشموخ الأغصان. إنها رحلة أمةٍ آمنت بأن التوحيد ليس مجرد اعتقادٍ في الضمائر، بل هو وحدةٌ في المصائر، وأن الإصلاح ليس ترفاً سياسياً، بل هو أمانة الاستخلاف التي تقتضي بسط الرداء لكل سائلٍ عن الأمان والنماء. وببقاء هذه المملكة وفيةً لعهدها، مترفعةً عن الصغائر، ومستمسكةً بحبل الحكمة، تظل منارةً لا تخبو لوسطية الإسلام، وحصناً لكرامة الإنسان، وبرهاناً ساطعاً على أن إرادة الخير هي أقوى جنود الاستقرار، وأبقى من زبد الريب السياسية التي تذهب جفاءً، بينما ما ينفع الناس يمكث في أرض المغرب طهراً ونوراً ونماءً.”




