رأي

مفهوم التغاضي عن الجاهلين وكيفية التخلص من الغضب الجالب للتعب المبين

بقلم الكاتب الفقيه الشيخ عبد اللطيف بوعلام الصفريوي.

تحضرني مقالة جميلة مَعْزُوَّة إلى الفيلسوف الشهير سقراط _ على غير عادتي في الكتابة الخاصة بالتوعية الدينية _ أنه قال ذات مرة لأحد تُبَّاعه يستفسره لطلب وجهة نظره:
” إذا ركلني حمار، هل أقاضيه أو أشتكي عليه أو أركله؟ “، فلم يجبه، فأردف موضحا له:
” الأمر لا يتعلق بالانتصار والفوز في كل النقاشات والحجج، بل باختيار تلك التي تستحقها طاقتنا. الجهل يصرخ، والحكمة صامتة؛ ذلك أنه عندما لا يكون لدى أحد ما يقدمه سوى الإهانات والضوضاء، فإن الاستجابة الأقوى هي الصمت “.
نصيحتي للجميع:
لا تنحدروا بتاتا إلى مستوى شخص يبحث فقط عن الصراع والملاسنة والسب واللعن؛ فالذكي المُحِقُّ الفَطِن لا يحتاج إلى فَرْض نفسه على الغير، فهو ببساطة يتألق سامقا في العلياء متمسكا بهدي رب السماء في الإشادة بسلوك الأنبياء والصالحين الأولياء لدى قوله عز وجل بسورة الفرقان: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾: جاء في تفسير عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله أن هذه الآية من صفات عباد الرحمن، وهي تدل على حِلْمِهم ووقارهم، فإذا خاطبهم الجاهلون بكلام سيئ، أو سبٍّ، أو شتم، أو سَفَهٍ، فإنهم لا يقابلون الجهل بمثله، ولا يرُدُّون السفه بالسفه، بل يقولون قولًا سالمًا من الإثم، خاليًا من السباب، فيه لطف وسلامة.
ومعنى “قالوا سلامًا”.
أي: قالوا قولًا يَسْلَمون به من الإثم، ويَسْلَم به المخاطب من مقابلة الشر بالشر. وليس المقصود مجرد قول كلمة (سلام)، بل المقصود ردٌّ حَسَنٌ، أو إعراض كريم، أو كلام طيب يقطع الخصومة دون أن ينْزِلوا إلى مستوى الجاهل “.
وقليل من يتقيد _ وهم قادرون على رد الإساءة بأكثر منها _ بهذا الهدي الرباني المُشَاد به بخصوص الطائفة الناجية المستحِقَّة للغُرْفة العالية في الجنة جزاء صبرهم وكَتْمِ غيظهم؛ فاللهم ارزقنا بهذا الخُلُق العظيم الذي نادرا ما تجده ساريا في المجتمع ” بْحِيثْ كُلْ وَاحَدْ كَيَنْتَقَمْ لْنَفْسُو أُو مَا يَسْمَحْشْ فْحَقُّو ” متناسين قول الحق سبحانه وتعالى في وصف المصطفين المتقين الأخيار بسورة آل عمران صدرت الإشادة والقرار من قِبل الواحد القهار: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾.
مسألة ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏كظْمِ الغيْظ مع القُدْرة على تنْفِيذِه قضية لا يقدر عليها إلا الرجال المتحكِّمين بحق في ضبط النفس وقت الغضب وربط اللسان توخيًّا للأجر العظيم المستحق من الرحيم الرحمن؛ والأجر على قدر المشقة، والله وحده يعلم ما فيها من مشقة نفسية.
ففي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ، وَمَا كَظَمَهَا عَبْدٌ للهِ إِلاَّ مَلَأً اللهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا”. قيل المقصود بها: إذا ربط لسانه وقت الغضب، أطلق الله له قلوب الناس.
ويعزز ذلك الحديث ما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ “. ( معنى الصُّرَعَة: هو الرجل القوي الذي يغلب من بارزه في المصارعة، وأغلب مَنْ يَحْسِبون أنفسهم عالية في العلم والفهم ينطقها بالسين من السُّرْعَةِ، وهذا لَحْنٌ وخطأ جلي يتعلق بتحريف قصد النبي صلى الله عليه وسلم ).قال ابن بَطَّال في معنى الحديث المذكور:” مَدَحَ الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب، وأثنى عليهم، وأخبر أنَّ ما عنده خيرٌ وأبقى لهم مِن متاع الحياة الدُّنْيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس، وأخبر أنَّه يحبُّهم بإحسانهم في ذلك “.
لكن كيف نتعامل مع رفيقٍ لنا إذا غضب وجَهِلَ علينا؟
قال ابن الجوزي رحمه الله: ” متى رأيت صاحبك قد غضب، وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي أن تعقِد على ما يقول خِنصراً – أي لا تأخذ ما يقول بعين الاعتبار – ولا أن تؤاخذه به؛ فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يجري. بل اصبر لِفَوْرَتِهِ (هيجانه)، ولا تُعَوِّل عليها؛ فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر، ومتى أخذت في نفسك عليه، وأجبته بمقتضى فِعْلِه كنت كعاقل واجه مجنونًا، أو كمُفِيقٍ عاتب مُغمًى عليه، فالذنب لك. بل انظر بعين الرحمة، وتلمَّحْ تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه نَدِم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر. وهذه الحالة ينبغي أن يتعلمها الولد عند غضب الوالد، والزوجة عند غضب الزوج؛ فتتركه يشتفي بما يقول، ولا تعوِّل على ذلك؛ فسيعود نادما معتذرًا. وأكثر الناس على غير هذا الطريق: متى رأوا غضباناً قابلوه بما يقول، فيقومون بردة فعل على غير مقتضى الحكمة، بل الحكمة ما ذكرته، « وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ »”.
انشروا هذه الفائدة الذهبية بين إخوانكم وأهلكم وعشيرتكم ومعارفكم لعلها تصادف قلوبا رحيمة وآذانا واعية لصلة الأرحام المقطوعة، والصداقة الممنوعة. ” كُلْشِي سَادْ عْلِيهْ بَابُو مَا يَسْتَقْبَلْ لاَ حْبَابُو وَلاَ صْحَابُو “. يا حفيظ ويا ستار على زمن طغت فيه الأفكار المسمومة، وابتعد معظم الناس عن تعاليم دينهم، ففضلوا العزلة والتقوقع حول الذات لمحاربة المشاكل المتوقَّعة والمؤدِّية للقلق والسَّتْرِيسْ. فاللهم عُدْ بنا إلى جادة الصواب، ولَيِّنْ أفئدة الأحباب والأصحاب آمين آمين يا رب العالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى