رأي

منهجية الدعوة الإسلامية في ضوء القاعدة الفقهية: “هذا ما جرى به العمل”

محمد كندولة

1. تمهيد:
تعد الدعوة إلى الله تعالى الوظيفة الأساسية للرسل والأنبياء، وهي ميراثهم الذي حمله العلماء والفقهاء من بعدهم. ولما كانت الدعوة تخاطب البشر في واقعهم المتغير، فإن وسائلها وأساليبها تتطور بتطور الزمان والمكان، ما لم تتعارض مع نص شرعي قطعي. وهنا تبرز أهمية القواعد الفقهية والأصولية التي تضبط هذا التطور، ومن أبرزها القاعدة: “هذا ما جرى به العمل”.
2. معنى القاعدة الفقهية: “هذا ما جرى به العمل”
هذه العبارة تُعد من القواعد الفقهية المستنبطة من مفهوم “العرف” و”العادة المحكمة”. وهي تعني أن الممارسة العملية المستقرة التي لا تخالف نصاً شرعياً تُعتبر مرجعية في الحكم والفعل.

3 – الأصل الفقهي:

تستند إلى قاعدة “العادة محكمة”، وحديث “ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن” اما مجال التطبيق فغالباً ما تُطبق في المعاملات والعادات، ولكنها تمتد إلى “وسائل الدعوة” لأنها من باب الوسائل (التي تتغير) وليست من باب المقاصد الثابتة (كالعقيدة والعبادات المحضة).
4 . طبيعة الدعوة الإسلامية بين الثبات والتغير :
فالجانب الثابت مثمثل في الأصول العقدية، والأحكام الشرعية، والأخلاق الإسلامية. أما الجانب المتغير فيشمل وسائل التبليغ، وأساليب الإقناع، وتنظيم المؤسسات الدعوية، واللغات المستخدمة. فهنا يسوغ “ما جرى به العمل”.
5 . العلاقة بين القاعدة والدعوة:

تعتبر القاعدة أداة “تأصيلية” للممارسات الدعوية ،فإذا استقر عمل الدعاة على وسيلة معينة كبناء المساجد، و طباعة الكتب، واستخدام المنابر، أصبحت عرفاً دعوياً مقبولاً، فإنها تأخذ حكم “ما جرى به العمل”، ويحرم الإنكار عليها ما دامت لا تخالف الشريعة.
6 – التطبيقات التاريخية للقاعدة في السيرة والمنهج السلفي:

ولنبدأ أولا بالسيرة النبوية فلقد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم أعرافاً سائدة في زمانه كوسائل للدعوة، مما يرسخ قاعدة “ما جرى به العمل” في منهجية التبليغ منها استخدام اللغة العربية وهي عرف قريش، فلم يأتِ بلغة جديدة ومنها المواعيد والمواسم كدعوة القبائل في موسم الحج عكاظ، مجنة، ذي المجاز، وهو عرف تجاري واجتماعي جرى به العمل، فحوله النبي صلى الله عليه وسلم إلى منصة دعوية ومنها كذلك كتابة الكتب والمراسلات، فإرسال الكتب إلى الملوك كان عرفاً دبلوماسياً جارياً، استخدمه صلى الله عليه وسلم للدعوة.
اما في عهد الخلفاء والسلف فمما يدخل في هذه القاعدة تدوين العلم حيث لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تدوين رسمي للقرآن والسنة بالشكل المؤسسي، لكن لما “جرى به العمل” في عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جمع القرآن، وتدوين الدواوين، أصبح هذا المنهج الدعوي في نشر العلم المدون أصلاً معتمداً. كذلك إنشاء المدارس والمساجد في العصر الأموي والعباسي، استقر العمل على جعل المساجد مراكز إشعاع دعوي، وإنشاء المدارس النظامية، وهذا عرف دعوي مستحدث أجازه العلماء لأنه يخدم المقصد الشرعي.
7 – التطبيقات المعاصرة والضوابط الشرعية:

ومن مظاهر “ما جرى به العمل” في الدعوة المعاصرة،
فلقد شهد العصر الحالي تحولات كبيرة في الممارسة الدعوية، واعتُمدت لأنها أصبحت عرفاً عالمياً فعالاً، كممارسة الدعوة من خلال المؤسسات والجمعيات المدنية فلقد استقر العمل على تنظيم الدعاة في هيئات مرخصة، وهو عرف إداري حديث وكذلك استعمال وسائل الإعلام والتقنية منها استخدام الإذاعة، التلفزيون، والإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي. لقد “جرى به العمل” كأدوات اتصال عصرية، فأصبحت من وسائل الدعوة المعتبرة شرعاً. ومن ذلك تنظيم المؤتمرات والندوات كصيغة عصرية للاجتماعات التشاورية، استُخدمت للدعوة ونشر العلم.
8 – ضوابط تطبيق القاعدة في الدعوة (الشروط):

لا يُحتج بـ “ما جرى به العمل” في الدعوة إلا بشروط دقيقة، لئلا يتحول إلى بدعة أو مخالفة شرعية:
الشرط الأول: عدم مخالفة النص الشرعي. لا يسوغ العرف ما حرمه الله. (مثال: لا يجوز استخدام الغناء المحرم في الأناشيد الدعوية بحجة أنه “يجري به العمل” في الجذب).

الشرط الثاني: أن يكون العرف صحيحاً (العرف الصحيح).
أن يكون مما تعارفه الناس ولم يخالف دليلاً، وألا يكون عرفاً فاسداً (كالاحتفالات المبتدعة في الموالد التي تخالف التوحيد).
الشرط الثالث: تحقيق المصلحة الراجحة. أن تؤدي هذه الممارسة المستقرة إلى نشر الخير، ولا تفتح باب شر أكبر.

الشرط الرابع: عدم إخراج الثوابت عن مسارها.
لا يُقال في العبادات المحضة (كيفية الصلاة، الصيام) “هذا ما جرى به العمل” إذا خالف السنة، لأن العبادات توقيفية. القاعدة تختص بـ “وسائل الدعوة” و”المعاملات الدعوية”.
9 – إشكالية الإنكار على ما جرى به العمل:

من الخطأ أن ينكر الداعي والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر على وسيلة دعوية مستقرة (كاستخدام الميكروفون في الخطبة، أو ارتداء الزي الرسمي للدعاة في بعض الدول) بحجة أنها لم تكن في عهد السلف، طالما أنها داخلة في المباحات وتخدم الدعوة. هذا الفهم الخاطئ يخالف روح القاعدة التي تسهل ولا تعسر. واجمالا فإن قاعدة “هذا ما جرى به العمل” تُعد سنداً شرعياً لتطوير وسائل الدعوة وأساليبها بما يلائم كل عصر، لأن الدعوة الإسلامية تجمع بين ثبات الأصل (الوحي) ومرونة الفرع (الوسائل والأعراف)، فالممارسات الدعوية المستقرة (كالمؤسسات، الإعلام، المؤتمرات) تأخذ حكم العرف الصحيح ما دامت ضمن الضوابط الشرعية. ونظرا لأهمية الدعوة واهمية الوسائل لنجاحها فعلى الدعاة والمؤسسات الدعوية توثيق الممارسات الناجحة التي “جرى بها العمل” لتكون منهجاً للأجيال القادمة، ويبقى ضروريا وجود هيئات شرعية تراقب الممارسات الدعوية المستجدة لتقرير ما يوافق الشرع منها وما يخالفه، تطبيقاً للقاعدة بضوابطها، وفي هذا الصدد يجب دراسة الفقه الأصولي لمعرفة القواعد مثل “العادة محكمة” و”المصالح المرسلة” لتأصيل العمل الدعوي المعاصر.
تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى