قبسات اصطلائية وتجليات نورانية حول سورة الفاتحة الغائب معانيها عن العديد من الدعاة والداعيات.
بقلم الشيخ الفقيه عبد اللطيف بوعلام.

كلنا نقرأ أم القرآن الفاتحة الشافية الكافية الواقية في صلاتنا وجوبا، ولكن الغالبية العظمى من الناس ( أقصد المتعلمين) عن ضبط أحرفها وأسرارها٥ مُغَيَّبُون عَمُونَ..
في هذا المقال سأحاول _ بحول الله وقوته _ بيان نزر قليل من عظمتها وأهميتها يشهد لذلك ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد بن المعلَّى: ” لَأُعَلِّمَنَّكَ سورة هي من أعظم السور في القرآن: (الحمد لله رب العالمين)، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتِيتُه”. قال عز وجل بسورة الحجر: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) “. قيل: إنها سبع لأن آياتها سبع آيات. أما أنها (مثاني)، ففيها عدة أقوال، وكلها معانٍ جميلة سنسرد أهمها:
+ القول الأول: تُثنى في كل صلاة (أي تكرر في كل صلاة). + القول الثاني: فيها الثناء على الله عز وجل. + القول الثالث: أنّ الله سبحانه وتعالى استثناها لهذه الأمة ( أي خصّها بها.
+القول الرابع: أنها نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة. + القول الخامس: بُشِّر بها النبي صلى الله عليه وسلم مرتين يوم أنزلت وليلة المعراج. + القول السادس: أنها مناصفة بين العبد وربه (إياك نعبد وإياك نستعين).
وهناك قول ينتصر له الشافعية والحنابلة مفاده أن المأموم يقرأ بها خلف الإمام، فتكون مرة قراءة الإمام ومرة قراءة المأموم. وسُميت بالفاتحة لافتتاح كتاب الله العزيز بها. حيث إنها أول القرآن الكريم في الترتيب لا النزول لأن أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم سورة العلق.
ولها أسماء تصل إلى اثنيْ عشر اسما أشهرها إطلاقا الفاتحة، والدليل على أولوية بركتها أن الصلاة لا تُجْزِئ إلا بها.
يقول ﷺ: ” لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وفي لفظ آخر بِأُمٍّ الْقُرْآنِ”. الحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وهو من أصح الأحاديث، ولهذا احتج العلماء قاطبة على أنها ركن في الصلاة لا بد من الإتيان به في حق الإمام والمنفرد.
ولقد سال المداد الكثير، وما زال في بيان الأسرار القُدْسية في فاتحة الكتاب العزيز يصعب عرض غزارة المعاني وجمالية روعة التناسب الواردة فيها، وخاصة في جزئية اللهج بصفة الإله ( الرحمن الرحيم ) الذي وسعت رحمته كل شيء في إطعام الكافر والمؤمن وتذكيرهما بعظيم نعمه وآلائه لأنه:
«لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ». الحديث رواه الترمذي في سننه، وصححه عدد من العلماء المعتبرين، والمعنى أنه: لو كانت الدنيا تساوي عند الله حتى وزن جناح بعوضة لما أعطى الكافر منها شيئًا حتى شربة ماء، وبما أن الدنيا ليست ذات قيمة كبيرة عند الله، فإن الرحمن يعطي منها للمؤمن والكافر لأن كثرة المال أو النعيم ليست دليلاً على رضى الله. بل القيمة الحقيقية هي الإيمان والعمل الصالح المؤدي للفوز بالجنة، والدنيا زائلة فانية عندما يأذن مالكها في تدميرها تستجيب. قال تعالى بسورة آل عمران:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾.
ونظرا لكثرة الكلام الجميل الوارد فيها اخترت لكم ما قاله اﺑﻦ ﺍﻟﻘﻴﻢ نقلا عن شيخه رحمهما الله تعالى:
” ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﺎ ﻛﻨﺖ ﺃﺳﻤﻊ ﺷﻴﺦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﺑﻦ ﺗﻴﻤﻴﺔ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ تعالى ﻳﻘﻮﻝ:
( ﺇﻳﺎﻙ ﻧﻌﺒﺪ ) ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ. (وإياك ﻧﺴﺘﻌﻴﻦ) ﺗﺪﻓﻊ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ. ﻓﺈﺫﺍ ﻋُﻮﻓِﻲَ العبد ﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ ﺑـ: ( ﺇﻳﺎﻙ ﻧﻌﺒﺪ )، ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﻜﺒﺮﻳﺎﺀ ﻭﺍﻟﻌُﺠْﺐِ ﺑـ: ( ﻭﺇﻳﺎﻙ ﻧﺴﺘﻌﻴﻦ )، ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺽ ﺍﻟﻀﻼﻝ ﻭﺍﻟﺠﻬﻞﺑـ:(ﺍﻫﺪﻧﺎ ﺍﻟﺼﺮﺍﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ)
ﻋُﻮﻓِﻲ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﺍﺿﻪ ﻭﺃﺳﻘﺎﻣﻪ ﻭَﺭَﻓَﻞَ ﻓﻲ ﺃﺛﻮﺍﺏ ﺍﻟﻌﺎﻓﻴﺔ ﻭﺗﻤﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤُﻨْﻌَﻢ ﻋﻠﻴﻬﻢ، وسَلِمَ من (ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻐﻀﻮﺏ ﻋﻠﻴﻬﻢ)، ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻋﺮﻓﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻋﺪﻟﻮﺍ ﻋﻨﻪ، (ﻭﻻ ﺍﻟﻀﺎﻟﻴﻦ)، ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺟَﻬِﻠُﻮﺍ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻮﻩ، ﻭﺣُﻖَّ ﻟﺴﻮﺭﺓ ﺗﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻳﻦ ﺍﻟﺸﻔﺎﺀﻳﻦ ﺃﻥْ يُسْتَشْفَى ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺮﺽ، ﻭﻫﺬﺍ ﻣﻦ ﻋﻈﻴﻢ ﻓﻬﻢ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮآﻥ.
انظر (ﻣﺪﺍﺭﺝ ﺍﻟﺴﺎﻟﻜﻴﻦ (ﺝ1-ﺹ127).
_ تنبيه التالين القارئين لهذه السورة العظيمة: إذا قرأتموها برواية حفص، فإن تلاوة البسملة فيها واجبة، وإسقاطها مُبْطِلٌ للصلاة بالإجماع باعتبارها آية مرقمة مع مد ميم مَلك: مَالِكِ يوم الجزاء والحساب المتصرف فيه تَصَرُّفًا مِلْكًا ومُلْكًا زيادة في المعنى نحو قوله تعالى: ” بِسْـمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيـمِ (1) الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)”، وإذا قرأتموها برواية ورش، فالعد من بعد تلاوة البسملة يكون لِلتَّبَرُّكِ، وإن لم تقرأها، فلا حرج عليك: ” بِسْـمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيـمِ. الْحَمْدُ لِله رَبِّ الْعَالَمِينَ (1)الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4)اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6) غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)”. وفي باقي السور تُقْرَأ البسملة لأجل التبرك أيضا، ولا تُحْتَسَبُ في العد باستثناء سورة براءة أي: سورة التوبة المُفْتَتَحة بها، فقد وردت دون بسملة باتفاق بين القراء والعلماء الأجلاء نِكَايَةً بالرحمة المنقطعة عن المشركين مِنْ قِبَل رب الأرض والسماء نقضا لعهودهم ومواثيقهم وتآمرهم مع اليهود في محاربة المسلمين:
” بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ(1)وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ، وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ، وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (2) “. إياكم أن تكسروا لام ورسولِه _ كما يفعل من لا حَظَّ لهم في العربية_ فتكفرون دون دراية لأنكم ستعطفونها على المشركين، فَتُثْبِتُونَ بذلك براءة الله من رسوله. أما بالرفع فتعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم بريء منهم كذلك في جواز رفع المعطوف على المنصوب بعد استنفاذ الخبر كما نص على ذلك علماء النحو. وبه تمام الكلام والسلام.




