رأي

يكفيني نعيرها

منير لكماني ألمانيا

31/03/26

زمن الصخب والضياع

نعيش اليوم زمنا يعلو فيه الصوت ويضعف فيه المعنى. الضجيج يملأ الشاشات والهواتف والمجالس، حتى صار الهدوء نفسه شيئا نادرا. الكل يتكلم، لكن قليلين من يصغون. وكثير مما يقال لا يقصد به إقناع العقول أو إغناء الوجدان، بل مجرد لفت الإنتباه وخطف لحظة عابرة من إهتمام الناس. في هذا المناخ، لم تعد الشهرة دائما ثمرة جهد أو معرفة أو رسالة، بل أصبحت عند كثيرين غاية قائمة بذاتها، تطلب بأي وسيلة، ولو كان الثمن التنازل عن الوقار أو الكرامة أو الصدق. هكذا انقلبت الموازين: صار التافه مثيرا، وصار العميق متعبا، وأصبحت الوجوه تعرض على الشاشات كما تعرض السلع في الأسواق. لم يعد الإنسان يقاس بما يحمل من قيمة داخلية، بل بما يقدر على إظهاره وترويجه وتسويقه. ومع إزدياد هذا الصخب، يتراجع المعنى خطوة بعد أخرى، حتى يصبح كثير من الناس مجرد أصداء لما يطلبه الجمهور، لا أصواتا نابعة من ضمائرهم.

الحياة حين تتحول إلى عرض

أخطر ما وقع في هذا العصر أن الحياة نفسها لم تعد تعاش كما هي، بل صارت تعرض. ما كان في السابق من خصوصيات البيوت، ومن أسرار العلاقات، ومن لحظات الحزن والضعف، أصبح مادة جاهزة للنشر والتداول. لم تعد الخصوصية قيمة تصان، بل تحولت عند البعض إلى وسيلة للإنتشار. حتى الألم لم يسلم من ذلك؛ تصور الدموع، وتنشر الجنازات، وتعرض الأمراض، وكأن المعاناة فقدت حرمتها وأصبحت بدورها جزءا من مشهد الفرجة. وهنا لا تكمن المشكلة في التقنية نفسها، بل في العلاقة المختلة التي صنعناها معها. لم يعد كثير من الناس يعيشون لحياتهم، بل يعيشون كما يريد لهم الآخرون أن يظهروا. صرنا نرى أنفسنا في مرآة جماعية واسعة، ونقيس قيمتنا بما نحصل عليه من إعجابات ومشاهدات، لا بما نحسه من سلام داخلي أو معنى حقيقي. وهذا التحول لم يمنح الإنسان حرية كما كان يظن، بل جرده من الحياء، وشتت روحه، وأوهمه بالقرب من الناس بينما هو في الحقيقة يبتعد عن نفسه أكثر فأكثر.

حين تضعف الحقيقة

في وسط هذا الركض المتواصل، تصبح الحقيقة أول الخاسرين. الكلمات لم تعد دائما وسيلة للفهم، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أسلحة سريعة تطلق بلا مسؤولية. تتهم الشخصيات قبل أن تعرف الحقيقة، وتبنى الأحكام على مقاطع مبتورة، ويرفع الكذب أحيانا لأنه أكثر إثارة من الصدق. لقد صار الزيف عند كثيرين أكثر جاذبية من الحقيقة، وصار الجهل يلقى الإحتفاء ما دام يحقق المتعة السريعة. والإعلام، في جانب منه، لم يعد يؤدي دور التثقيف أو التوجيه، بل دخل هو أيضا في سباق الإثارة، فصارت بعض البرامج تصنع نجوما من الفراغ، وتغذي فضول الجمهور بدل أن تنمي وعيه. والأسوأ من ذلك أن الناس قد يضحكون على فضيحة إنسان آخر، دون أن ينتبهوا إلى أن هذا الضحك نفسه يجرح إنسانيتهم هم. فلإعتياد على الكذب والإستهلاك اليومي للفضائح لا يبقى خارج النفس، بل يتسلل إليها ببطء، حتى يضعف الضمير ويجعل القبح أمرا مألوفا.

أبواق السياسة وفساد المعنى

ولم تتأخر السياسة في إستغلال هذا المناخ. فقد وجدت في الفضاء الرقمي أرضا خصبة للتأثير السريع وصناعة الإنطباعات السطحية. لم تعد الحملات تقوم دائما على الأفكار والبرامج، بل كثيرا ما تبنى على الصور، والشعارات القصيرة، والمقاطع القابلة للإنتشار. وهنا يختلط الرأي بالإعلان، والمبدأ بالإغراء، والتوجيه بالتلاعب. بعض المؤثرين صاروا أدوات في هذا المسار، يملكون القدرة على تحريك المزاج العام أكثر مما يملكه أصحاب الفكر الجاد. ومع الوقت، بدأ “البوز” يحل محل المشروع، والمشهدية تحل محل الكفاءة، وعدد المتابعين يحل محل المصداقية. وهكذا يتسع الخلل، لأن الإنسان لا يعود يختار على أساس القناعة، بل على أساس ما تفرضه عليه الصورة اللامعة.

نداء الوعي وعودة الضمير

ومع ذلك، فالعصر ليس محكوما بالضياع الكامل. ما يزال في الإمكان أن يستعيد الإنسان نفسه إذا امتلك شجاعة القول: يكفيني. يكفيني هذا الصخب، وهذا التمثيل، وهذه الحياة التي تستنزف في ملاحقة أنظار الآخرين. إن “يكفيني” ليست كلمة إنسحاب، بل موقف أخلاقي واع، يضع حدا لإبتذال، ويعيد للإنسان حقه في أن يعيش بصدق. نحن في حاجة إلى أن نسترجع قيمة الصمت، وأن نعيد للكلمة وزنها، وأن نفهم أن ليس كل ظهور حياة، وليس كل كلام معنى. الصدق اليوم مقاومة، والحياء قوة، والوعي حماية للروح من الذوبان في الزحام. إن الخلاص لا يكون في مزيد من الظهور، بل في مزيد من الصفاء الداخلي. فأن يبقى الإنسان وفيا لجوهره خير له من شهرة مزيفة، وأن يختار ظلا نقيا خير من ضوء يفسده الزيف. وفي النهاية، يظل الوعي آخر حصون الإنسان، وتظل القدرة على قول “يكفيني” بداية النجاة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى