
ستجرى انتخابات تشريعية بالمغرب في شهر شتنبر 2026 بحول الله، وتعتمد هذه الاستحقاقات على مرجعيات متعددة، أهمها البعد الدستوري والسياسي. لذلك سنقارب هذين الأساسين مساهمة في توضيح الرؤية المرجعية حتى لا نفقد البوصلة ونخطئ لا قدر الله موعدا آخر مع التاريخ.
الأبعاد الدستورية لاستحقاقات 2026
ينص الدستور في التصدير على بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، وهذا من باب وفاء المملكة المغربية لاختيارها الذي لا رجعة فيه، لأن نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية. الفصل1. كما نص نفس الفصل على الاختيار الديمقراطي الذي أصبح من ثوابت الأمة في حياتها بجانب الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية. أما الفصل2 فيركز على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها، وتختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم.
كما ينص الفصل6 على أن السلطات العمومية تعمل عل مشاركة المواطنات والمواطنين في الحياة السياسية. كما وجه الفصل 7 خطابا مباشرا ينص فيه على أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية. كما يضمن الدستور في الفصل 10 للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوقا، من شأنها تمكينها من النهوض بمهامها، على الوجه الاكمل، في العمل البرلماني والحياة السياسية. كما يمكن لها ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي، محليا وجهويا ووطنيا.
إن الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، كما نص على ذلك الفصل11. في نفس الإطار يؤكد الفصل نفسه على أن السلطات العمومية ملزمة بالحياد التام إزاء المترشحين، وبعدم التمييز بينهم. كما يؤكد الفصل 30 على أن القانون ينص على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية، كما أن التصويت حق شخصي وواجب وطني، وعلى السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق مساعدة الشباب في التنمية السياسية للبلاد.
ينص الفصل 42 على أن الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي. يؤكد الفصل 37 على جميع المواطنات والمواطنين على احترام الدستور والتقيد بالقانون.
الدستور والسلط التشريعية
يمكن أن نلخص المنظومة الدستورية للسلطة التشريعية في ثلاثة محاور: تنظيم البرلمان، سلطات البرلمان وممارسة السلطة التشريعية. يمكن تلخيص هذه المحاور فيما يلي:
-يتكون البرلمان من مجلسين، مجلس النواب ومجلس المستشارين.
-ينتخب أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات.
-ينتخب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب، ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها، في مستهل الفترة النيابية، ثم في سنتها الثالثة عند دورة أبريل لما تبقى من الفترة المذكورة، وينتخب أعضاء المكتب على أساس التمثيل النسبي لكل فريق.
-يعقد البرلمان جلساته أثناء دورتين في السنة، ويرأس الملك افتتاح الدورة الأولى، التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر.
-يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت، إلا أنه لا يجوز العمل به إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقته لأحكام هذا الدستور.
-يمارس البرلمان السلطة التشريعية، ويصوت على القوانين ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية.
-يصدر قانون المالية، الذي يودع بالأسبقية لدى مجلس النواب، بالتصويت من قبل البرلمان.
-تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة.
-تقدم الأجوبة على الأسئلة المتعلقة بالسياسة العامة من قبل رئيس الحكومة، وتخصص لهذه الأسئلة جلسة واحدة كل شهر. كما تخصص جلسة سنوية من قبل البرلمان لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها.
-يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
الأبعاد السياسية لاستحقاقات 2026
عندما نقرأ هذه النصوص بتمعن نسائل أنفسنا هل نستحضر هذه الفصول أثناء الممارسة؟ هل يمكن القول إننا مازلنا نتأرجح بين الأخذ بالاختيار الديمقراطي أو التراجع عنه؟ ما موقع الولاية الحالية من الاختيار الديمقراطي؟ كيف تقومنا الهيئات الدولية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؟ كيف نقرأ تقارير المؤسسات الدستورية غير التشريعية والتنفيذية بكل موضوعية وحياد؟ وأخيرا وليس آخرا كيف نحضر سياسيا للاستحقاقات التشريعية في شتنبر 2026؟ ما حظ مبادرة الحكم الذاتي من استحقاقات 2026؟ ما هي الرسائل التي سنوجهها للرأي العام الوطني والإقليمي والدولي والمغرب مقبل على مشاريع مهيكلة سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا، وثقافيا؟
ونحن على عتبة القراءة السياسية لانتخابات 2026، يفاجئنا التاريخ بظلاله: الأربعاء 23 شتنبر 2026. السؤال الجوهري لماذا الأربعاء؟ هل ستعطى تسهيلات لتمكين المواطنات والمواطنين من أدائهم الواجب الوطني تشجيعا لرفع نسبة المشاركة؟
لقد طرحت الحكومة ترسانة من القوانين التي عرضت على مجلس النواب والتي تمت المصادقة عليها بأغلبية بعدما طرحت حوارا حادا بين الأغلبية والمعارضة. نخص بالذكر القانون التنظيمي الخاص بمجلس النواب، والقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، والقانون المرتبط باللوائح الانتخابية، وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الإعلام السمعية البصرية خلال الفترات الانتخابية والاستفتائية.
أهم ملاحظة أن الاستشارة كانت هزيلة حول ما عرض أمام البرلمان، مع العلم أن مثل هذه الترسانة التشريعية غالبا ما تشبع تشاورا قبل الإحالة، في إطار منهجية تشاركية وأعراف سابقة. هذا نقيض التوجيهات الملكية، لأنه لا ديمقراطية بدون التشاور مع الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية المتخصصة في هذا الباب.
إن ما يروج اليوم حصيلة حكومية لم تتوفق في الوفاء بوعودها التي التزمت بها في برنامجها الحكومي الذي به نصبت من قبل البرلمان وتصويت مجلس النواب. مع توظيف للأسف بعض المنابر الإعلامية التي لم تلتزم بالحياد. خاصة ملف المحروقات حيث غابت شروط المنافسة، مما جعل سوق المحروقات اليوم فيها ارتباك كبير. عنوانها الأكبر الاحتكارية والإشكال الحكومي غياب تواصلها مع المواطنين من أجل شرح ما يقع. إن حصيلة الحكومة التي تروج لها خاوية على عروشها مما يجعل المواطنات والمواطنين فاقدي الثقة في العملية الانتخابية والجدوى منها؟
لقد طغى البعد التقني على المنظور الحكومي مما جعل بعض المفكرين يتحدثون عن موت السياسة في الزمن الحكومي. ويمكن إيجاز المؤاخذات السياسية على الراهن الحكومي فيما يلي:
-العمل خارج الاختيار الديمقراطي، والانفراد بالقرارات المتعلقة بالانتخابات التشريعية المقبلة.
-اغتيال النقاش السياسي البناء الذي يعيد الثقة إلى المواطنات والمواطنين.
-غلاء الأسعار الذي لم يعرف المغرب تاريخيا مثله مما أثر على جميع الفئات الاجتماعية.
-الإخفاقات على مستوى الحكامة الجيدة والسقوط في معضلات بنيوية بسبب الريع وتضارب المصالح.
-الغلاء الفاحش في جميع المواد، والتراجع المالي والاقتصادي، والأزمة الفلاحية. والتي تقلصت بفضل رحمة الله التي وسعت كل شيء، إضافة إلى وضعيات المقاولة.
-الأزمات الاجتماعية والصحية وارتفاع البطالة، والاضطرابات على مستوى مؤشرات الدعم.
-هزالة التواصل السياسي وتضارب المصالح، مما نتج عنه ضعف الثقة مما يطرح سؤال المشاركة؟
فهل يمكن أن نتجاوز هذه الأعطاب التي خلفتها الحكومة؟ ثم ماهي الضمانات من أجل حماية استحقاقات 2026؟
جوابا على هذا السؤال المفتاح والجوهري نؤكد على حياد الإدارة، وتطبيق القانون على كل من خالف وتجاوز اختصاصاته، وتحضير جوانب تشريعية وتنظيمية في مستوى الحدث، والرقي بالمراقبة المدنية، وتفعيل السلطة القضائية في هذا الباب، وإعطاء إشارات قبلية من أجل تعزيز الثقة وتشجيع المشاركة.
إن ما ذهبنا إليه سيساهم في تخليق الحياة السياسية التي تشكل التيمة المركزية لكل إصلاح. خاصة على مستوى الحكامة المالية، وتطبيق المبدأ الدستوري الذي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والشفافية والنزاهة، بهذا سنؤسس لثقافة المستقبل، الرأسمال غير المادي الذي سنعتز به بين الأمم. لأننا نؤسس ونعزز الشرعية التي تعطي النفس للمشروعية والتلازم بين الحق والقانون والواجبات.
إننا في حاجة إلى تقوية العمل المؤسساتي حتى نتجنب تداخل الاختصاصات الذي يؤسس للأسف للتواكلية، والتنافس غير الشريف، نستحضر هنا الدور الفعال للأحزاب الجادة التي تقوم بكل أدوراها طبقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية. لأن ضمان الشفافية والنزاهة مرتبط بتأهيل الفاعل السياسي والمدني والإداري للحظات التاريخية التي ترفع من قيمة الوطن بين الأمم.
في هذا الإطار هناك نسب مهمة وطنيا وجهويا وإقليميا من الفاعلين على جميع المستويات الذين أشبعوا البلاد بالفساد. فهل نعطيهم فرصا أخرى لتكريسه؟ هل ستبقى القرارات والأحكام الصادرة عن المؤسسات الدستورية حبرا على ورق؟ إن المغرب وهو يستعد لمشاريع مفصلية في حياته المستقبلية في ظل جيوسياسي يتسم بغير اليقين محتاج إلى مؤسسات قوية عالمة ومهنية تمثل بلدها أحسن تمثيل وتتعامل مع المواطنات، والمواطنين بجدية، ومصداقية، وواقعية.
إن الوضع الحالي دوليا وإقليميا مقلق جدا، فإما أن نكون أولا نكون. لأن هذه الثقافة البانية هي المؤسس الحقيقي للثقة بين المجتمع والدولة، ونواجه جميعا جيوب المقاومة وخصوم الإصلاح والراغبين في السباحة في الماء العكر. إننا لا نريد أغلبية برلمانية رقمية تتماهى مع الطروحات الحكومية ولو كانت مضرة بالعباد والبلاد، بل من تقومها وتنصحها وتصوبها وتجود مشاريعها بالتعاون مع المعارضة والأخذ بالواقعي من اقتراحها.
الخلاصة إننا في سياق معقد ولن نفك طلاسيمه إلا بالاختيار الديمقراطي الذي أصبح ثابتا من ثوابت الأمة، والتعاون بين السلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في ظل احترام القانون الذي هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له. كم ورد في الفصل السادس من دستور 2011.



