
بينما تضج وسائل الإعلام التابعة لواشنطن وتل أبيب بتقارير عن “تدمير شامل” للقدرات الإيرانية، فإن الواقع الميداني بعد مرور أكثر من خمسة أسابيع على انطلاق عملية “ملحمة الفجر” يرسم صورة مغايرة تماماً. الحقائق لا تُؤخذ من منصة “تروث سوشيال” أو البيانات الصحفية للبيت الأبيض، بل تُقرأ من خريطة المواجهة في مضيق هرمز ومن تردد القوات الأمريكية في التقدم خطوة واحدة داخل الأراضي الإيرانية.
1. وهم “الأسبوع الأول” وفشل الحسم السريع
دخل دونالد ترمب هذه الحرب مراهناً على “الضربة الخاطفة” التي تنهي الأمر في أيام. ولكن، بحلول 8 أبريل 2026، يجد العالم نفسه أمام حقيقة واضحة: إيران لم تسقط، والجيش الأمريكي الذي زعم تدمير الرادارات والدفاعات الجوية لم يجرؤ حتى الآن على إرسال جندي واحد براً. هذا التردد هو الاعتراف الضمني الأكبر بأن القوة الإيرانية لا تزال تملك مخالب حقيقية، وأن ما تم تدميره ليس سوى القشرة التي أرادت إيران إظهارها.
2. مضيق هرمز: السلاح الذي لم يُكسر
الرهان الأكبر لترمب كان فتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية وتأمين تدفق النفط. النتيجة حتى اليوم؟ المضيق لا يزال مغلقاً أمام الملاحة الدولية، وأسعار الطاقة تواصل خنق الاقتصاد العالمي.
لو كانت التقارير الأمريكية صادقة بشأن تدمير 12 ألف هدف داخل إيران، لكان الأسطول الخامس قد فرض سيطرته الكاملة على المياه الإقليمية. الحقيقة أن “صواريخ الكهوف” والمسيرات الكامنة في الجبال لا تزال تفرض معادلة الردع؛ فإما أن يعبر الجميع بأمان، أو لا يعبر أحد.
3. تقارير الاستخبارات “المسربة”: اعتراف بنصف الهزيمة
بدأت بعض التقارير الاستخباراتية (بعيداً عن الخطاب السياسي) تعترف بأن أكثر من 50% من قدرات إيران الصاروخية ومسيراتها لا تزال سليمة تماماً ومختبئة في أنفاق عميقة لا تصل إليها القنابل الذكية. هذا الرقم يفسر لماذا لجأ ترمب في 7 أبريل إلى تقديم “مهل” متكررة وعرض “هدنة مشروطة” لمدة أسبوعين؛ القوي لا يمنح خصماً “مهزوماً” هدنة، بل يفرض عليه شروطه. لجوء واشنطن للتفاوض عبر الوساطة الباكستانية هو إقرار بأن آلة الحرب الأمريكية استنزفت أهدافها دون أن تكسر إرادة الخصم.
4. هل حقق ترمب ما يصبو إليه؟
إذا كان هدف ترمب هو “إخضاع إيران” وتغيير سلوكها بالكامل، فقد فشل فشلاً ذريعاً.
• سياسياً: النظام لا يزال قائماً، والاحتجاجات التي راهنت عليها واشنطن لم تسقط الدولة.
• اقتصادياً: ترمب “رجل الأعمال” يرى الآن أسواق النفط تنهار، وهو ما يهدد شعبيته في الداخل الأمريكي.
• عسكرياً: العودة إلى طاولة المفاوضات بينما لا تزال الصواريخ الإيرانية تهدد القواعد الأمريكية في المنطقة يعني أن “الانتصار” الذي يروج له هو نصر إعلامي فقط.
الخلاصة:
إن انتصار إيران في هذه الجولة لا يُقاس بحجم الدمار في بنيتها التحتية، بل بقدرتها على منع القوة العظمى من تحقيق أهدافها المعلنة. وكما يقول الواقع التاريخي: “الجيش النظامي يخسر إذا لم ينتصر، بينما الثائر ينتصر إذا لم يخسر”. وبقاء إيران قادرة على إغلاق شريان الطاقة العالمي بعد كل هذا القصف، هو الدليل القاطع على أن السردية الأمريكية “باطلة” ميدانياً، وأن ترمب يبحث الآن عن مخرج يحفظ به ماء وجهه أمام العالم.




