
نحن في سنة انتخابية بالمغرب، لقد ساهم الإسلاميون في تدبير الشأن العام في دورات سابقة، إن على مستوى الحكومة أو في الجماعات الترابية؛ يهدف هذا المقال الوقوف على مكامن الضعف والقوة في تلك التجربة، أين نجحنا وأين فشلنا؟! وما القيمة المضافة التي قدمناها للوطن ولديننا باعتبارنا في الأصل حركة دعوية بمرجعية إسلامية؟!
قبل الخوض في الإجابة عن هذه الأسئلة يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة على علاقة الإسلاميين بالحكم في مختلف التجارب في البلاد الإسلامية.
*الإسلاميون والحكم:*
لا يخفى على المراقب لحركة الإسلام السياسي في العالم الإسلامي أنها تقدم تجربة غنية في التدافع السياسي للأسف تم إجهاضها في جميع محطاتها، فكانت الحصيلة متواضعة بالمقارنة مع الشعارات التي رفعتها والبرامج التي قدمتها للناخب..!
الحركة الإسلامية في نشأتها، تقدمت بمشروع دعوي يهدف لإقامة الدين على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، وذلك راجع لتحدي التحولات العميقة التي أحدثها الاستعمار الغربي بشقيه الفرنسي والبريطاني مطلع القرن الماضي، تاركا نخبة تشربت قيمه ونمطه في الإدارة والمؤسسات؛ اكتشفت الحركة الإسلامية مبكرا أنها بحاجة لعنصر القوة من أجل تنزيل مشروعها ومدافعة المشروع الحداثي التغريبي الذي تبنتنه الدولة الحديثة بعد طرد الاستعمار؛ فلم يكن بد من مراهنتها على الحكم لتقاسم السلطة مع باقي الأطراف ولتحقيق جزء من مشروعها؛ فخاضت لأجل هذا الهدف جميع التجارب المؤدية الحكم ، المعروفة في الأدبيات السياسية، فقد شاركت في انقلابات عسكرية(نموذج السودان)، وساهمت في الثورات الشعبية (ثورة الخميني ثم ثورات الربيع العربي)، وفي البلاد التي تجدد فيها الاستعمار أنتجت حركة جهادية تسلمت زمام الحكم بعد طرد الاستعمار (نموذج فلسطين، أفغانستان وسوريا)..
لكن الذي استقر عليه اجتهاد المشروع السياسي للإسلاميين هو المشاركة السياسية وتقاسم السلطة مع باقي الأطراف (مصر، الأردن، تونس، المغرب، ثم تركيا وماليزيا).
وسنقف على تحديات وإكراهات تجربة الإسلاميين في المشاركة السياسية: ما لها وما عليها.
*ثلاثة تحديات شكلت عقبات في طريق إنجاح هذه التجربة، خصوصاً في الوطن العربي: وهي إكراهات التحالفات السياسية، و غياب الشفافية والنزاهة في العملية الانتخابية، ثم ضغط الحفاظ على الكتلة الناخبة وتوسيعها..*
وقبل التفصيل في هذه التحديات الثلاثة نورد ملاحظتين هامتين:
الملاحظة الأولى: أظهرت التجارب السابقة نجاح الإسلاميين في تدبير الشأن العام، وتفوقهم على خصومهم، كلما كانت العملية الديمقراطية نزيهة، ونموذج ذلك تركيا وماليزيا وإلى حد ما المغرب.
الملاحظة الثانية: نجاح الإسلاميين في بلورة برنامج سياسي مفصل قابل للتطبيق، خلافا لما كان خصومهم يتهمونهم به من غياب البرنامج السياسي؛ فهذا لم يشكل لديهم أي تحدي بل أظهرت التجربة أن الإسلاميين، رغم حداثة التجربة، فقد تأقلموا بسرعة مع مواقع السلطة التي تسلموها، وأبانوا عن فاعلية واجتهاد ونظافة يد تفوقوا فيها على خصومهم؛ كما أن الكراسي لم تفسد أخلاقهم عكس ما يدعي خصومهم، بل حافظوا على قسط من المصداقية وتخليق العمل السياسي ما جعلهم ملاذا لفئات واسعة من الناخبين.
ولنفصل بعض الشيء في التحديات الثلاثة المذكورة أعلاه:
*1) إكراهات التحالفات السياسية:* المشاركة السياسية تقتضي البحث عن تشكيل أغلبية تسمح للحكومة الجديدة بتنزيل برنامجها السياسي؛ وهذا يفرض على الحزب الأغلبي أن يقدم تنازلات لباقي الأطراف السياسية المعنية بتشكيل تحالف يدعم الحكومة؛ وبالطبع يتنازل الإسلاميون عن جزء من برنامجهم السياسي وعن بعض الحقائب الوزارية لصالح من يقاسمهم الأغلبية؛ هذا فضلا عن ابتعادهم عن الوزارات السيادية (الداخلية والخارجية والشأن الديني والدفاع)..وبالتالي فجزء من مشروعهم يتبخر في خضم التحالفات والتوافقات.
*2)غياب الشفافية والنزاهة في العملية الانتخابية*:
تعاني العملية الانتخابية في الوطن العربي من جملة أعطاب، أخطرها تدخل الإدارة في مخرجات العملية الانتخابية بحيث تكون على مقاس محدد مخافة خروجها عن الحدود المرسومة ل اللعب؛ وغالبا ما يكون الإسلاميون ضحية هذا التدخل في العملية الانتخابية لأنهم يتمتعون بشعبية واسعة، تقابلها تحفظات من النظام الدولي المتأثر بدعاية الإسلاموفوبيا، فميزان القوى في غير صالح ديمقراطية مكتملة الأركان بالوطن العربي الذي يزخر بثروات هائلة تمثل عصب الاقتصاد العالمي؛فالمراقب الدولي يقيم التجارب الديمقراطية الناجحة في العالم العربي والإسلامي، فيتوصل لنتيجة واحدة وهي تضرر مصالحه في المنطقة، فيضطر للتدخل في مسار العملية الانتخابية من بدايتها بفرض توجيهها والتحكم في مخرجاتها، أو بالتدخل بعد ذلك إذا أفرزت ما يهدد مصالحه في المنطقة (نموذج مصر/مرسي أوالحرب على إيران حاليا).
والخلاصة أن المناخ الدولي لا يتيح للإسلاميين فرصة تنزيل مشروعهم على الواقع إلا بمقدار، ويتناغم هذا التوجه الدولي مع هوى الدولة القطرية التي لم يتم بعد ترويضها على القبول بنتائج التداول السلمي على السلطة؛ فتكون النتيجة تقليص الحضور الإسلامي في المشاركة السياسية.
*3) ضغط الحفاظ على الكتلة الناخبة*: شأنها شأن الأحزاب السياسية، فالإسلامية تسعى لتوسيع قاعدتها الانتخابية ما يدفعها لتعديل برنامجها السياسي ليوافق هوى الناخب وإن كان ذلك لا يشكل أولوية لديها؛ فالمواطن له انتظارات بشأن تحسين معيشته وفرص الشغل لأبنائه والصحة والتعليم؛ ولا ينتظر من الوزير أن يقدم له مواعظ دينية وتذكير بالآخرة، فهي أمور يعرف أين يأخذها وكيف يتعلمها..!
هذه هي الإكراهات الثلاثة التي تنحرف بالإسلاميين عن رسالتهم الدعوية التي هي أصل وجودهم؛ فلما غابوا (أو تم تغييبهم) عن مواقعهم في المساهمة في حراسة الأمن الروحي للمجتمع ومدافعة التطبيع مع العدو الصهيوني،وفي ظل القصور الكبير لدى الفاعل الديني الرسمي (المجالس العلمية ووزارة الشؤون الإسلامية والمساجد) تسرب دعاة التطبيع و خصوم الإسلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإفساد التدين وتحريف معاني القرآن وإنكار السنة؛ حتى بلغت بهم الجرأة أن ينكروا أركان الإسلام الخمسة، والزعم أنها تشكلت في القرن الثالث الهجري مع العباسيين، وبعد مدة ستصبح لا سمح الله ، هذه التحريفات مسلمات..!وسينشأ جيل ثائر (جيل Z) لا يعترف بالشرعية الدينية للدولة، وأعجب من هذا أن تفتح الدولة أبوابها لمراكز مشبوهة (مركز تكوين الملحدين) ترسخ هذا المسار التحريفي للدين..! مراكز يشكل إدارتها رؤوس الإلحاد في الوطن العربي..!
إن هذا التطرف اللاديني سيولد أشكالا من التطرف والإرهاب باسم الدين، فماذا تنتظر من شباب متحمس يرى عقيدته مستهدفة وضعف من وكل إليه الدفاع عنها؟!
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.





في ظل اختلال المنظومة ككل وغياب المحاسبة والقضاء, تضيع جهود كل من يعملون بصدق خوفا من الله. بل ويُحملون تبعات الفشل.