رأي

منبر إطلالة بريس: حينما تتحول صحافة القرب إلى مرآة للمجتمع المغربي

عبد الله مشنون كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.

في ظل التزاحم الرقمي الذي يشهده الفضاء الإعلامي المغربي، وتناسل المنصات الإخبارية التي يلهث أغلبها خلف البوز والإثارة العابرة، تبرز تجربة جريدة إطلالة بريس الإلكترونية كنموذج إعلامي اختار المراهنة على معادلة صعبة: السرعة في نقل الخبر مع الحفاظ على روح المسؤولية المهنية.

إن المتأمل في الخط التحريري لمنبر إطلالة بريس يدرك سريعاً أنه أمام منصة لا تؤمن بمركزية الخبر. فبينما تكتفي العديد من المنابر بنقل مستجدات محور الدار البيضاء – الرباط تفتح إطلالة بريس نوافذها على الجهات والمدن المغربية العميقة. هذا التوجه نحو صحافة القرب جعلها تتحول إلى لسان حال المواطن البسيط، تنقل تطلعاته، وتوصل صوته للمسؤولين، مما منحها مصداقية واقعية بعيداً عن صالونات السياسة المغلقة.

وفي سياق بحثنا عن سر تميز هذا المنبر، كان لنا تواصل هاتفي مباشر مع الأستاذ كمال مدير ومؤسس موقع إطلالة بريس لننقل لكم وجهة نظره حول القضايا التي تهم القارئ والمشهد الإعلامي:

سألت الأستاذ كمال: تتميز إطلالة بريس بتركيز لافت على أخبار الجهات والمناطق البعيدة عن المركز؛ كيف تنجحون في الموازنة بين متطلبات صحافة القرب التي تهم المواطن البسيط، وبين ضرورة مواكبة القضايا الوطنية والدولية الكبرى لضمان شمولية المنبر؟

فأجاب: في إطلالة بريس ننطلق من قناعة أساسية مفادها أن صحافة القرب ليست بديلاً عن تغطية القضايا الوطنية والدولية، بل هي مدخل لفهمها من زاوية تأثيرها على حياة المواطنين في مختلف الجهات. وفي هذا السياق، نلاحظ أن عدداً من المتابعين الذين يثقون في مصداقية المنبر يختارون مراسلتنا مباشرة، خاصة عندما يشعرون بوجود نقص في نقل بعض المعطيات على المستوى الجهوي. هذا التفاعل يعزز دورنا كجسر بين المواطن ومحيطه العام، ويدفعنا إلى التعامل مع الخبر المحلي باعتباره جزءاً من صورة وطنية أشمل. عملياً، نعتمد توازناً تحريرياً يقوم على مستويين متكاملين: أولاً، مواكبة دقيقة لقضايا الجهات وإعطاؤها المساحة التي تستحقها. ثانياً، ربط هذه القضايا بسياقها الوطني والدولي، حتى لا تبقى معزولة عن التحولات الكبرى. بهذه المقاربة، نحافظ على قربنا من المواطن، وفي الوقت نفسه نضمن شمولية المعالجة الإعلامية.

وعن سؤالنا حول التحديات الرقمية والمصداقية: في ظل السباق المحموم نحو المشاهدات وانتشار الأخبار الزائفة على منصات التواصل الاجتماعي؛ ما هي الآليات والضوابط المهنية التي تعتمدها “إطلالة بريس” للحفاظ على دقة الخبر ومصداقيته دون التضحية بعنصر السرعة؟

أوضح الأستاذ كمال قائلاً: في ظل تسارع وتيرة الأخبار وانتشار المعطيات غير الدقيقة على المنصات الرقمية، نعتبر أن المصداقية هي رأس مالنا الحقيقي. لذلك نعتمد مجموعة من الضوابط المهنية الواضحة: أولاً، التحقق من الأخبار عبر مصادر متعددة، خاصة في القضايا الحساسة. ثانياً، التمييز الصارم بين الخبر والرأي. ثالثاً، التعامل مع محتوى مواقع التواصل باعتباره مادة أولية تستوجب التحقق، وليس مصدراً نهائياً. رابعاً، اعتماد مبدأ التصحيح العلني عند وقوع أي خطأ. وفي ما يخص عنصر السرعة، نشتغل على تطوير شبكتنا من المراسلين وتعزيز جاهزية فريق التحرير، بما يسمح بالتفاعل السريع دون المساس بدقة الخبر.

وحول المستقبل ودخول التكنولوجيا الحديثة: يشهد المشهد الإعلامي المغربي تحولات جذرية مع دخول الذكاء الاصطناعي؛ كيف ترسمون خارطة طريقكم للسنوات القادمة؟ وهل هناك نية لإنتاج محتوى استقصائي أو وثائقي؟

ختم الأستاذ كمال إجاباته بالقول: ندرك أن التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي وتغير خوارزميات المنصات، تفرض إعادة التفكير في النموذج الإعلامي التقليدي. وعليه، ترتكز خارطة طريق إطلالة بريس على ثلاث توجهات رئيسية: أولاً، توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل ذكي لدعم العمل الصحفي، دون أن تحل محل القرار التحريري البشري. ثانياً، الاستثمار في المحتوى النوعي القائم على العمق والتحليل، باعتباره الضامن للاستمرارية. ثانياً، تنويع الأشكال الإعلامية، خاصة في مجالات الفيديو والحوارات الرقمية. كما نعمل تدريجياً على الانتقال نحو إنتاج محتوى استقصائي ووثائقي، لما له من دور في تقديم قيمة مضافة حقيقية وتعزيز ثقة الجمهور.”

وبالعودة إلى تحليل الأداء الميداني للموقع، نجد أن إطلالة بريس لا تكتفي بتقديم وجبة إخبارية أحادية الجانب؛ بل تتميز بتنوع غني يغطي مختلف المجالات:

الأمن والمجتمع: عبر رصد دقيق للحوادث والقضايا التي تشغل الرأي العام، بأسلوب يبتعد عن التشهير ويركز على التوعية.

الرياضة الوطنية: من خلال مواكبة دقيقة للبطولة الاحترافية وأخبار المنتخب الوطني، مما جعلها مقصداً لعشاق المستديرة.

الثقافة والفن: عبر تسليط الضوء على المبدعين المغاربة والمهرجانات التي تعكس الهوية المغربية الأصيلة.

لقد أدركت إدارة إطلالة بريس مبكراً أن القارئ الحديث لم يعد يكتفي بالنص، فاستثمرت بشكل ملحوظ في التغطيات الميدانية بالصوت والصورة. ومن خلال منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، نجحت الجريدة في خلق مجتمع تفاعلي، حيث لم يعد القارئ مجرد متلقٍ، بل أصبح شريكاً في صناعة الخبر عبر التعليق والمشاركة، وهو ما يعكس قوة “القوة الناعمة” لهذا المنبر.

ورغم المكتسبات التي حققتها إطلالة بريس فإن التحدي الأكبر يظل هو الحفاظ على هذا التوهج في ظل تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. إن الرهان القادم لهذا المنبر يكمن في تعميق المحتوى التحليلي، والاستمرار في الدفاع عن أخلاقيات المهنة، لتظل إطلالة بريس دائماً تلك الإطلالة الصادقة التي يرى من خلالها المغاربة واقعهم بكل أمانة.

ختاماً، يمكن القول إن إطلالة بريس ليست مجرد موقع إخباري إضافي، بل هي لبنة أساسية في صرح الإعلام الرقمي المغربي الرصين، الذي يحترم ذكاء القارئ ويقدس قدسية الخبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى