رأي

الحلال في أوروبا: سوق كبيرة وثقة معلقة بين الشهادة والملصق

منير لكماني 11/04/26 ألمانيا

لم تعد كلمة “حلال” في أوروبا مجرد وصف ديني يتعلق بطريقة الذبح أو بخلو المنتج من المحرمات، بل تحولت إلى علامة تجارية ذات أثر إقتصادي واضح. ويظهر ذلك في إتساع سوق الأغذية والمشروبات الحلال في القارة، إذ تقدر إحدى الدراسات السوقية الحديثة حجم هذا السوق بنحو 93 مليار دولار سنة 2025، مع توقعات ببلوغه 134.96 مليار دولار بحلول سنة 2030. غير أن هذا الإتساع التجاري لم يواكبه توحيد كامل في المعايير، ولذلك أصبحت الثقة مرتبطة بالشهادة المانحة أكثر من إرتباطها بكلمة “حلال” نفسها المطبوعة على الغلاف.

الجاليات المسلمة هي المحرك الأساسي للطلب

يرتبط نمو سوق الحلال في أوروبا بالنمو العددي والسكاني للمسلمين فيها. فقد قدر مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) عدد المسلمين في أوروبا، وفق المجال الجغرافي الذي إعتمده في تقريره، بنحو 25.8 مليون نسمة سنة 2016، أي 4.9% من مجموع السكان، بعدما كانوا 19.5 مليون نسمة سنة 2010، أي 3.8%. كما توقع المركز أنه حتى إذا توقفت الهجرة تماما، فإن نسبة المسلمين سترتفع إلى 7.4% بحلول سنة 2050 بسبب عاملين رئيسيين: صغر متوسط الأعمار، وإرتفاع الخصوبة مقارنة بغير المسلمين. ويذكر التقرير نفسه أن متوسط الخصوبة لدى المسلمين في أوروبا يبلغ 2.6 طفل للمرأة، مقابل 1.6 لدى غير المسلمين. وهذه الأرقام تفسر لماذا صار الحلال سوقا ثابتة لا ظاهرة عابرة.

لماذا أصبحت الشهادة أهم من الملصق؟

تكمن المشكلة الأساسية في السوق الأوروبية في أن كلمة “حلال” ليست وحدها ضمانا كافيا، لأن الإتحاد الأوروبي لا يملك حتى الآن هيئة شرعية مركزية موحدة تفصل في مطابقة كل المنتجات لمفهوم الحلال. ولهذا ظهرت أهمية الشهادات المتخصصة. فالمستهلك لا يكتفي اليوم بالعبارة الدعائية، بل يبحث عن الجهة التي راقبت المكونات، ودققت في خطوط الإنتاج، وتحققت من الفصل بين الحلال وغير الحلال في التصنيع والتخزين والنقل. ومن هنا إنتقل مركز الثقة من “الملصق” إلى “الوثيقة”.

الهيئات المانحة للشهادات

تتنوع في أوروبا الهيئات المشتغلة بإعتماد الحلال والرقابة عليه. ومن أهمها هيئة مراقبة الجودة الحلال (Halal Quality Control – HQC)، وهي جهة متخصصة في التفتيش والتدقيق ومنح شهادات المطابقة للمنتجات والخدمات الحلال. ويليها المجلس الأوروبي للأغذية الحلال (Halal Food Council of Europe – HFCE)، وهو هيئة تعنى بالإعتماد والمراجعة الفنية ومواكبة المؤسسات المنتجة. كما يبرز السجل الأوروبي لشهادات الحلال (European Register of Halal Certifications – ERHC) بوصفه منصة تعريفية وتنظيمية تجمع بيانات الشهادات والجهات المعتمدة في هذا القطاع. أما في بريطانيا، فتعد هيئة الأغذية الحلال (Halal Food Authority – HFA) من أبرز المؤسسات المعروفة في الإشراف على إعتماد المنتجات الغذائية الحلال.

حدود تدخل السلطات الأوروبية

السلطات الأوروبية لا تحكم على “شرعية” المنتج من الناحية الدينية، لكنها تتدخل بقوة في جانب آخر، هو سلامة الغذاء، وصحة البيانات، ومنع التضليل التجاري. وتنظم اللائحة الأوروبية 1169/2011 المعلومات الإلزامية التي يجب تقديمها للمستهلك على عبوات الأغذية، بما يفرض الوضوح والدقة في الملصق. ومعنى ذلك أن الشركة إذا قدمت وصفا مضللا، فإنها تعرض نفسها للمساءلة بوصفها خالفت قواعد الإعلام الغذائي، حتى لو بقي الجانب الشرعي موكولا إلى الهيئات الخاصة.

سبل التثبت من موثوقية شهادة الحلال

لا تنبني الثقة في المنتج الحلال على العبارة المثبتة على غلافه أو على اللافتة المعلقة بواجهة المطعم، لأن ألفاظا من قبيل “حلال” أو “100% حلال” قد تبقى، في غياب ما يسندها، مجرد دعوى دعائية لا تنهض دليلا على المطابقة الفعلية. لذلك يبدأ التثبت من الجهة المانحة للشهادة، ثم من رقم الشهادة أو رمز الإستجابة السريعة (QR) أو أي وسيلة تحقق رقمية تتيح الرجوع إلى أصل الإعتماد والتأكد من صحته وسريان مفعوله.

ومن أيسر السبل العملية في هذا الباب الرجوع إلى المواقع الرسمية للهيئات المانحة. فإذا كانت الشهادة صادرة عن هيئة مراقبة الجودة الحلال (Halal Quality Control – HQC) أمكن الرجوع إلى موقعها الرسمي www.hqc.eu. وإذا كانت صادرة عن المجلس الأوروبي للأغذية الحلال (Halal Food Council of Europe – HFCE) فإن الموقع الرسمي www.hfce.eu يتيح التثبت من المنتجات المعتمدة. كما يفيد الرجوع إلى السجل الأوروبي لشهادات الحلال (European Register of Halal Certifications – ERHC) عبر موقعه الرسمي www.erhc.eu. أما في المملكة المتحدة، فإذا كانت الشهادة صادرة عن هيئة الأغذية الحلال (Halal Food Authority – HFA)، فإن موقعها الرسمي www.halalfoodauthority.com يعد مرجعا أساسيا للتعرف إلى طبيعة إعتمادها ومجال إشرافها.

ولا يكتمل التثبت بالرجوع إلى الموقع وحده، بل يستلزم أيضا مساءلة البائع أو صاحب المطعم: هل الشهادة خاصة بهذا المنتج بعينه أم أنها تخص المنشأة بوجه عام؟ وهل ما تزال سارية المفعول؟ وهل تشمل جميع مراحل الإنتاج والتخزين والنقل؟ وتزداد الحاجة إلى هذا التثبت في اللحوم ومشتقاتها، لأن معايير الهيئات تختلف في بعض المسائل، وعلى رأسها مسألة الصعق قبل الذبح.

الحلال في أوروبا اليوم واقع ديني وإقتصادي معا: سوق كبيرة، وجمهور مسلم متنام، وشهادات متعددة، ومعايير ليست موحدة دائما. لذلك فإن الثقة الحقيقية لا يصنعها الشعار وحده، بل تصنعها ثلاثة أمور مجتمعة: هيئة معروفة، وشهادة قابلة للتحقق، ومستهلك واع لا يكتفي بالملصق. وعند هذه النقطة فقط تتحول علامة “حلال” من عبارة تسويقية إلى إلتزام موثوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى