مجتمع

“المجلس الوطني للصحافة”: إصلاح المهنة أم هندسة للسيطرة؟

اطلالة بريس

 لا يزال قطاع الصحافة والنشر في المغرب يعيش على صفيح ساخن، فبينما تدافع الحكومة عن ترسانتها القانونية الجديدة بدعوى “تخليق المهنة” و”هيكلة القطاع”، ترى المعارضة وقطاع واسع من المهنيين أننا أمام عملية “هندسة قسرية” تهدد التعددية وتضرب في العمق مبدأ التنظيم الذاتي الذي نص عليه دستور 2011.

انتكاسة تشريعية وقرار دستوري حاسم

شكل قرار المحكمة الدستورية الصادر في مطلع عام 2026 نقطة تحول كبرى، بعدما قضت بعدم دستورية مواد جوهرية في مشروع القانون رقم 09.26. هذا القرار لم يكن مجرد تصحيح قانوني، بل جاء بمثابة “صفعة سياسية” لنهج الحكومة في تدبير هذا الملف.

فقد اعتبرت المحكمة أن محاولة فرض معايير إقصائية تعتمد على “القوة المالية” للمقاولات الصحفية لانتزاع التمثيلية، تتنافى مع مبادئ التعددية والمساواة. وهو الموقف الذي سارعت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها “التقدم والاشتراكية” و”العدالة والتنمية”، لالتقاطه وتوظيفه في نقد ما وصفته بـ”التغول الحكومي”.

جبهة الرفض: من الأيديولوجيا إلى المهنة

المثير في المشهد الحالي هو “التقاطع النادر” في المواقف بين أقصى اليمين وأقصى اليسار داخل المشهد السياسي المغربي.

  • العدالة والتنمية حذر من تحويل الصحافة إلى “سجل تجاري” يخدم الكبار فقط.

  • التقدم والاشتراكية قاد المعركة القانونية لإثبات أن “التنظيم الذاتي” لا يعني “التعيين المقنع”.

هذا الاصطفاف السياسي يجد صداه داخل الهيئات المهنية؛ حيث تعيش “الفيدرالية المغربية لناشري الصحف” حالة من الترقب والقلق، محذرة من أن إقصاء الصحافة الجهوية والمقاولات الصغرى سيؤدي حتماً إلى “تصميم مشهد إعلامي بلون واحد”، يغيب عنه النقد وتطغى عليه لغة الأرقام والمعاملات.

“تخليق” أم “تضييق”؟

في المقابل، تصر وزارة الشباب والثقافة والتواصل على أن “زمن الفوضى قد ولى”. وتؤكد مصادر حكومية أن المعايير الجديدة المتعلقة بالبطاقة المهنية، والحد الأدنى للأجور، وشروط الدعم العمومي، هدفها الوحيد هو حماية الصحفيين من الهشاشة وضمان مؤسسات إعلامية قوية قادرة على المنافسة دولياً.

إلا أن السؤال الذي يطرحه الشارع الإعلامي اليوم: هل يمكن تحقيق الجودة بفرض القيود؟ وهل “اللجنة المؤقتة” التي طال أمدها ستمهد فعلاً لانتخابات حرة، أم أنها مجرد “مرحلة انتقالية” لترسيخ واقع جديد يصعب تغييره لاحقاً؟

آفاق مفتوحة على المجهول

مع دخول الربع الثاني من عام 2026، يجد المشرع المغربي نفسه أمام حتمية مراجعة القانون في ضوء قرار المحكمة الدستورية. إنها فرصة تاريخية لإعادة فتح باب الحوار الوطني الذي أُغلق منذ شهور، أو الاستمرار في سياسة “الأمر الواقع” التي قد تؤدي إلى قطيعة تامة بين المؤسسات المسيرة وبين الجسم الصحفي في القواعد.

إن معركة الصحافة في المغرب اليوم ليست مجرد صراع على مقاعد في المجلس الوطني، بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة التجربة الديمقراطية المغربية على تحمل “صوت حر” يراقب ويحاسب، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة المادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى