تحقيق الراحة النفسية والسعادة الأبدية في ظل آية قرآنية.
بقلم الفقيه عبد اللطيف بوعلام شيخ القراء بالديار الصفريوية.

مختصر هذه الحياة الدنيا الفانية جَمَعَهُ الله تعالى في قوله بسورة طه: ” فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ” مُبَيِّنا الحرج والضيق والنَّكد والتعاسة الكبرى بعد تصريحه بطمأنينة الهدى في قوله بعدها: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (122) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (123) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا، وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ(124)}.
هذه هي معادلة ملخص الحياة بِرُمَّتها، وما على الإنسان إلا أن يختار لنفسه: إما الهداية والسعادة الأبدية وإما الضلال والشقاءالأبدي.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه المعيشة القاسية الْمَبْنِيَةِ على: [ مَا كَايَنْ غِيرْ جَرِّي عْلَيَّ نْجَرِّي عْلِيكْ حَتَّى كَتْجِي الْمُوتْ عْلَى غَفْلَة وْتَدِّينِي وْتَدِّيكْ].
{ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ، بَلْ صَدْرُهُ ضَيِّقٌ حَرِجٌ لِضَلَالِهِ، وَإِنْ تَنَعَّمَ ظَاهِرُهُ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ قَلْبَهُ مَا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى الْيَقِينِ وَالْهُدَى، فَهُوَ فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّدُ، فَهَذَا مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ.
فها هي ذي أعمار أجيال قد انصرمت، وأجيال تنتظر لأَجَلٍ أُقِّتَتْ، ولا يبقى سوى الواحد القهار المقتدر، والناس في غفلة ساهون وعلى حطام الدنيايتقاتلون: ” بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) “. من سورة الأعلى.
بعد لحظات قليلة كلمح البصر سنقف جميعا أمام المحكمة الإلهية، وسنتمنى لو أمضينا عمرنا كله في جمع الحسنات، وعمل الصالحات: من صلاة وصيام وقيام وقراءة القرآن، وتَصَدُّقٍ على المحتاجين، وكفالة الأيتام، والرفق بالأنام: ” وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (25) يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (26) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(27) “. من سورة الفجر .
أو نقول كما هو مُصَرَّح به بسورة المؤمنون: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (100) لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا، إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (101)﴾ يقول ابن القيم رحمه الله بمعرض هذه الآية المُرْعبة: “إن العبد عند الموت تنكشف له حقائق الآخرة، ويرى منازل أهل الجنة أو النار، فيتيقن ما كان يُكَذِّبُ به أو يَغْفُلُ عنه، فيندم أشد الندم، ويتمنى الرَّجْعة ليُصْلِح ما أفسد “… ولكن هيهات ثم هيهات!!! فلا عذر لأحد يومئذ: “وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ، فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37) ” سورة فاطر .
فعلينا بالتوبة والإنابة الفورية قبل الغرغرة وتسليم الروح إلى بارئها ومالكها رب العزة مسترشدين بقوله جل وعلا في في سورة الفرقان: ” إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(70)”.
وبه تمام الكلام والسلام.




