رأي

إسحاق شارية يكتب: السم القاتل بين حرية العبادة وحماية السيادة الوطنية

المحامي إسحاق شارية، الأمين العام الحالي للحزب المغربي الحر

#السم_القاتل
فجأة تحول موقف البياعة الجدد من اصحاب كلنا إسرائيليون ومن يدور في فلكهم إلى مناصرين لمظاهر التدين والعبادة في الفضاء العمومي بعد أن كانوا من أشد معارضيه عندما يتعلق الأمر بممارسة الشعائر الإسلامية تحت شعارات الدولة المدنية وضوابط العلمنة، وذلك فقط من أجل الدفاع على تصرف مجموعة يهودية اختارت ان تمارس طقوسها الدينية أمام الحائط التاريخي باب دكالة في مشهد أثار موجة من الانتقادات والتوجسات بالمغرب، وهو دليل آخر أن السي الشرقاوي ومن معه من آلة دعائية على رأسها جريدة الأحداث المغربية وحلفائها مستعدين للتخلي عن اي شعار او مبدأ علماني أو حداثي ولا يهمهم اي تناقض في سبيل تبييض وجه الصهيونية بالمغرب مهما كان قبيحا ومقززا وفيه كثير من قلة أدب وقلة احترام للنظام العام وللمبادئ الدستورية للدولة، بما يذكر بنفس الممارسات التي كانت تقوم بها أبواق الاستعمار أياما قبل الحماية الفرنسية والإسبانية للمغرب حيث يعتبر الوطنيون والمنتمين للحركة الوطنية مجرد فتانين وفوضويين وجهلاء غارقين في نظرية المؤامرة.
ولهذا قررت ان ارد على هذه الالة الدعائية الخبيثة التي أصبحت تنخر الوطن واحاول فضح تناقضاتها ليس من منطلق ديني ولا من منطلق عاطفي متأثر بما يقع في المشرق من أحداث تقتيل وفظاعات لم يشهد لها التاريخ مثيلا، ولكن بمنطق القانون والنظام العام ودستور المملكة والأعراف الدولية، لأخلص بأن ما قام به مجموعة المتدينين هو خطأ واستفزاز وقلة أدب تستوجب التصدي المؤسساتي .
وأنطلق من أسئلة بسيطة، للسيد كادوش رئيس الطائفة اليهودية بمراكش ولسي الشرقاوي والأحداث المغربية…هل يحق للمغاربة المسلمين الصلاة في الشارع خارج إطار المساجد المرخصة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ؟ وهل يحق لكل جماعة من المغاربة إقامة صلاة الجمعة أو صلاة العيد في أي باحة أو ساحة عمومية خارج إطار المصليات المحددة من طرف وزارة الأوقاف ؟ وهل يحق لأي مواطن إمامة الناس والخطبة فيهم دون أي ترخيص ؟ هذا مستحيل ولا يمكن أن يقع في دولة اختارت ضبط الفضاءات العمومية بما يضمن حق الجميع في هذا المشترك مهما اختلفت دياناتهم وثقافاتهم ومرجعياتهم، وهنا أحيل الى خطة تسديد التبليغ التي تعتبر من أشد الإجراءات التي تؤكد على توجه الدولة لضبط فضاءات العبادة من الاستغلال السياسوي او الفئوي، فكيف يستساغ في دولة الحق والقانون ضبط المسلمين الذين يشكلون 99% من ساكنة الدولة في حين يطلق العنان لمجموعة من السياح الأجانب ليعبثوا بهذا النظام العام الذي اختاره المغرب منذ قرون حماية للتعايش والسلم والأمن العمومي من التجاذبات الدينية والطائفية والسياسية الخطيرة.
كما أتوجه للسيد كادوش والشرقاوي والأحداث بسؤال آخر هل يحق لليهود والمسلمين ذوي الأصول الأندلسية إقامة صلواتهم ورفع آذانهم أثناء زياراتهم السياحية لإسبانيا في أزقة إشبيلية وغرناطة ومعابدها الأندلسية القديمة او المطالبة باسترجاع هذه الاحياء والمدن والأماكن مهما كانت مقدسة؟ لا سيدي بل إن الأمر قد يؤدي بمن يقترف ذلك إلى المحاكمة والطرد من البلد ليس تطرفا أو عنصرية بل حماية للنظام العام الإسباني حيث تكتب يافطات كبرى على المآثر مكتوب عليها بكل صراحة يمنع إقامة الصلاة او رفع الآذان، وما على السائح سوى أن يحترم القانون ويبكي على إرث أجداده بصمت.
وعليه فإن ما ساقه السيد كادوش من تبريرات حول حلول وقت صلاة العشاء لا يمكن ان يعتبر عذرا خصوصا مع توفر مراكش وعلى بعد أمتار على معابد مخصصة لممارسة الشعائر والصلوات اليهودية دون أي عرقلة أو إزعاج وفي جو تملؤه الطمأنينة ليس اليوم بل منذ آلاف السنين فالتعايش والتسامح هو خصلة مغربية أصيلة لا يحتاج فيها المغاربة لدروس أو امتحانات، لكن هذا التصرف الاخرق يحمل الكثير من الإيحاءات الاستفزازية والمتحدية للسيادة الوطنية، حيث كشفت أبعاده جريدة الأحداث المغربية والتي سوقت لفكرة أخرى مناقضة لما ساقه السيد كادوش بل تعتبر أشد خطورة وهو سعي بعض المنتمين للديانة اليهودية إلى ادعاء إرثهم لبعض الأماكن بدعوى أنها كانت معابد قديمة او أماكن مقدسة وهو ما يفتح الباب لذريعة الاحتلال والقتل والطرد بدعوى الإرث اليهودي المقدس سواء كان وليا صالحا او نبيا او معبدا قديما وهي نفسها الرواية التي انطلقت بها قصة الاحتلال الأليمة في فلسطين ولازالت تنزف دما تحت نفس الشعارات وجود إرث يهودي تحت الأرض وبين الجدران يسمح باقتراف أي جريمة لاسترداده، فالأمر هنا ليس نظرية مؤامرة بل تطرف خطير في تفسير عودة العلاقات المغربية الاسرائيلية من علاقات ديبلوماسية طبيعية إلى ما يشبه إرغاما للدولة المغربية على قبول ضيوف فوق القانون وفوق السيادة وفوق النظام العام، بحقوق وامتيازات تفوق مبدأ المساواة أمام القانون والدستور بين المواطنين المغاربة المسلمين وسياح ينتمون للطائفة اليهودية وهو ما لا يستقيم حتى مع القانون الدولي والأعراف الديبلوماسية حيث لا يمكن بتاتا أن يتحول السائح إلى مواطن فوق المحاسبة له حق تملك الأراضي وطرد السكان واسترجاع الاحياء بذريعة أن أحد أجداده كان مقيما قبل ان يهاجر، او أن معبدا مورست فيه طقوس معينة قبل آلاف السنين.
وعلى هذا الاساس فإن واقعة إقامة الصلوات اليهودية بباب دكالة ليس مجرد تصرف معزول وإنما هو بالون اختبار مستفز لصلابة المؤسسات الدستورية والوطنية، ومدى حرصها على حماية فضائها العمومي ودستورها ومبادئها وتاريخها وهويتها، وهو اختبار كذلك لحيوية الشارع المغربي ومدى انتباه فعالياته الحية من أحزاب ومجتمع مدني لمخاطر هذا التغلغل الاستعماري الجديد الذي لا شك أن معركة الوعي تشكل أحد أهم ركائزه مقابل آلة التضليل والدعاية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى