الحلقة الرابعة: اللمسة المغاربية في تطوير مقاربات الفكر الإسلامي لقضايا الديمقراطية والحرية
بقلم محمد يتيم

لقد سار الغنوشي في الحقيقة على نهج عدد من كبار علماء المغارب (نسبة للمغرب العربي) الذين اتخذوا موقفاً متقدماً من الخيار الديمقراطي، من قبيل الفقيه عبد الله كنون رحمه الله، والعلامة المختار السوسي، والفقيه بلعربي العلوي، وعلال الفاسي، والطاهر بن عاشور، والعلامة بن باديس.. وغيرهم، ممن سيتفاعلون مع مطلب الديمقراطية، على الرغم من سياق ارتباطها بالدول الاستعمارية التي احتلت المنطقة العربية والمغاربية على الخصوص.
ولذلك سنتوقف عند التفاعل التأسيسي لهؤلاء الرواد مع مطلب الديمقراطية وسعيهم لـ: “تبيئته” وملاءمته مع واقع المنطقة المغاربية.
عبد الله كنون: المغاربة الذين سيوضع لهم الدستور
ففي كتابه: “مفاهيم إسلامية“، وفي مقال تحت عنوان: “المغاربة الذين سيوضع لهم الدستور“، أبرز العلامة عبد الله كنون أن الدستور الذي سيوضع للمغاربة بعد الاستقلال (دستور عام 1962م) ينبغي أن يراعي مرجعيتهم وهويتهم الإسلامية حيث يقول:
“إن المغاربة الذين نحن في خدمتهم عرب مسلمون، دستورهم الخالد هو القرآن، وقانونهم العام هو الشرع الإسلامي، فعلى هذا الأساس يجب أن يوضع دستور الدولة التي تحكمهم، ومن هذين المنبعين الثريين يجب أن يستمدَّ ذلك الدستور مبادئه وأصوله، وهذا إن لم يكن إيماناً بالقرآن ولا بالشرع الإسلامي فَلْيكن إيماناً بالديمقراطية التي هي حكم الشعب من غير تحريف لها ولا تزييف.” (22)
كما كان موقف رابطة علماء المغرب التي كانت تضم فقهاء من مختلف مدن المغرب، وعدد من كبار علماء المغرب ممن شغلوا مناصب سياسية من قبيل: الفقيه بلعربي العلوي، والفقيه لحسن اليوسي، والفقيه المختار السوسي، الذي ترقى في المستويات العلمية كما ترقى في المناصب السياسية التي كان منها: منصب وزير العدل، ووزير التاج مستشاراً للسلطان محمد الخامس، مما يجعلنا نفهم مطلب الاحتلال بعزل الفقهاء عن المجال السياسي.
الفقيه محمد بلعربي العلوي والموقف من الديمقراطية
ويعتبر الفقيه محمد بلعربي العلوي (ت 1964) الذي كان يلقب بشيخ الإسلام؛ أحد كبار فقهاء المغرب الذين قاوموا مطلب الاحتلال بعزل الفقهاء عن المجال السياسي. وفي هذا الصدد، كان الفقيه أكبر مرجعية فقهية شرعية للدولة، وقد عمل من خلال هذا المنصب على الإسهام في بناء نظام مغربي حديث ديمقراطي؛ فهو من واضعي المنهجية التي عبر عنها الملك محمد الخامس في كلمته المتقدمة أمام المجلس الاستشاري أفراداً وجماعات، حتى يتم بذلك خلق ديمقراطية مغربية بناءة، تتفق مع ديننا الحنيف الذي جعل الناس سواسية كأسنان المشط، ومع القرآن الكريم.
لكنه سينتقل إلى المعارضة السياسية الناصحة، بعد أن رأى في الدستور وبعض القوانين -الديمقراطية هي كل هذه الأنظمة المعروفة في العالم، أم هي نظام ذو طابع تتميز به عن غيرها- (23) ما لا يتماشى مع قناعاته الشرعية؛ ثم اعتزل العمل السياسي احتجاجاً على القمع والتنكيل الذي تعرض له شباب معارضون فيما عرف بعد ذلك بـ”سنوات الرصاص”.
وشارك الفقيه في كل المحطات الديمقراطية؛ من وضع الدستور ووضع القوانين والسعي لتأسيس البرلمان المغربي، وهو من واضعي المنهجية الديمقراطية التي عبر عنها الملك محمد الخامس في خطابه الذي توجه من خلاله للشعب المغربي، وهو خطاب يوم الإثنين 8 ربيع الثاني عام 1376 الموافق 12 نونبر سنة 1956 بمناسبة افتتاح المجلس الوطني الاستشاري والذي ورد فيه:
“الهدف الذي لن ندخر جهداً في العمل على إبلاغ شعبنا إليه فهو حياة نيابية بالمعنى الصحيح، تمكن الشعب من تدبير الشؤون العامة، في دائرة ملكية دستورية، تضمن المساواة والحرية والعدل للأمة أفراداً وجماعات، حتى يتم بذلك خلق ديمقراطية مغربية بناءة، تتفق مع ديننا الحنيف الذي جعل الناس سواسية كأسنان المشط، ومع القرآن الكريم الذي جعل الأمر شورى بين المؤمنين.” (24)
الفقيه الحسن اليوسي والفقيه المختار السوسي في قلب الممارسة السياسية وتدبير الشأن العام
وكان في منصب وزير التاج كل من الفقيه لحسن اليوسي والفقيه المختار السوسي (ت 1963)؛ وكلاهما كانا عضوين في أول حكومة في المغرب بعد الاستقلال: حكومة البكاي بن مبارك الأولى سنة 1955؛ حيث شغل الأول منصب وزير الداخلية، وشغل الثاني منصب وزير العدل.
المختار السوسي والديمقراطية
غير أن ما ميز اهتمام المختار السوسي بالسياسة لم يكن الجانب العملي التدبيري فحسب، بحكم توليه مسؤوليات سياسية ومناصب حكومية، بل أيضاً الاهتمام العلمي والمعرفي من خلال البحث والبرهنة على تجذر “الممارسة الديمقراطية” في الموروث الثقافي وفي الممارسة العملية في المغرب.
وفي هذا الصدد، أكد العلامة المختار السوسي على تجذر الممارسة الديمقراطية في المجتمع الأمازيغي، من خلال الإحالة على نظام “إينفلاس“؛ وهي مجالس تمثل السكان، و”الألواح“: وهي وثائق محلية تتضمن أحكاماً وقوانين تحدد واجبات الأفراد نحو الجماعة، وتتضمن أحكاماً تتعلق بالزراعة، والتعاون، والدفاع، والمسائل الجنائية والعقوبات.
والأستاذ امحمد العثماني موضوع هذا التقديم، واحد من رجالات سوس الذين امتدّ العطاء العلمي في أسرته منذ ما يقارب عشرة قرون، حتى قال فيها المؤرخ العلامة الفقيه المختار السوسي:
“هذه الأسرة التي تسلسل فيها العلم والصلاح في “سوس” منذ القرن السادس إلى الآن. ولم أعرف الآن في المغرب أسرة تسلسل فيها العلم أبا عن جدّ في زهاء ألف سنة إلا هذه، والأسرة الفاسية بفاس التي عرفت أول عالم منها في أواخر القرن الخامس، وهي مزية انفردت بها الأسرتان وحدهما.”
ومن جميل ما يذكر في سيرة العلامة الفقيه امحمد العثماني أنه زاوج في تحصيله العلمي من خلال مدرستين: أي مدرسة تقليدية وأخرى عصرية، فانتسب على عادة أبناء جيله إلى المدرسة العتيقة (تنالت) وتوّج مساره في هذا النوع من التعليم بالعالمية من جامع القرويين، ثم انتسب إلى المدرسة العصرية (دار الحديث الحسنية) ضمن طلبة فوجها الأول سنة 1964، ومنها تخرج حاصلاً على دبلوم الدراسات العليا بتقديمه رسالة تحت عنوان: “ألواح جزولة والتشريع الإسلامي: دراسة لأعراف قبائل سوس في ضوء التشريع الإسلامي” تحت إشراف العلامة الأستاذ علال الفاسي، وهي موضوع تقديم اليوم.
ويبرز كتاب “المعسول” للعلامة المختار السوسي أن الممارسة الديمقراطية تتجلى من خلال عدة جوانب، منها:
-
الشورى: حيث يدعو الكتاب إلى أهمية التشاور وأخذ آراء أهل العلم والخبرة في الأمور التي تهم المجتمع، بما يتيح للجميع فرصة للتعبير عن آرائهم ومشاركة أفكارهم في صياغة القرارات.
-
الدعوة للعدل والمساواة: حيث يدعو كتاب “المعسول” إلى معاملة جميع أفراد المجتمع بالعدل والمساواة، مما يضمن عدم تهميش أي فئة أو شخص. هذه المساواة في الحقوق والواجبات تعزز المشاركة الفعالة للجميع في الحياة السياسية والاجتماعية.
-
المسؤولية: يدعو أيضاً إلى أهمية تحمل المسؤولية تجاه المجتمع، سواء كان ذلك من قبل الأفراد أو من قبل الحكام، بحيث يتحمل كل فرد مسؤولية أفعاله ويسعى لتحقيق الصالح العام.
-
احترام القانون: يدعو “المعسول” أيضاً إلى احترام القانون والالتزام به، مما يضمن سيادة القانون واستقرار المجتمع وضمان حقوق الأفراد ويضمن عدم تعسف السلطة.
-
حرية التعبير: يدعو أيضاً إلى ضمان حرية التعبير، بما يتيح للجميع مناقشة القضايا المطروحة، وأن هذه الحرية ضرورية للمشاركة الفعالة في الحياة الديمقراطية.
يقدم الكتاب أيضاً صورة عن الإسهام السوسي في “النبوغ المغربي في الأدب العربي والفقه”، مع التعريف بتاريخ أدب وأدباء منطقته بـ “إليغ” الذين كتبوا بالعربية، وأخبار الفقهاء والأدباء والرؤساء والصوفية والأسر العلمية، علماً أنه قد أرّخ لبعض من كتبوا بالأمازيغية “الشِّلحية” كما كان يسمّيها في مؤلّفات أخرى. و”المعسول” ليس فقط توثيقاً لمظاهر وتعبيرات للثقافة السوسية في الأدب والعادات والتقاليد والأفكار والمعتقدات، بل هو أيضاً شهادة ضد الاحتلال الأجنبي، والأعلام الذين ساهموا في النهضة الفكرية التجديدية للوعي المغربي إبان الاحتلال الأجنبي. (25)
رابطة علماء المغرب والموقف من أول دستور مغربي
لقد رحبت “رابطة علماء المغرب” التي كانت تضم عدداً كبيراً من كبار الفقهاء بوضع دستور يضع البلاد على طريق الملكية الدستورية، وأصدرت بياناً في الموضوع ورد فيه:
“عقدت الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب اجتماعاً خاصاً بالرباط في صباح يوم الخميس (24 جمادى الثانية عام 1382 موافق 22 نونبر 1962) لدراسة مشروع أول دستور مغربي، وبعد أن قام مختلف الأعضاء بتقديم ملاحظاتهم حول هذا المشروع اتفقوا على ما يأتي: 1ـ يسجلون بارتياح الخطوة الهامة التي قام بها جلالة الملك الحسن الثاني وفاءً بوعد والده العظيم وتلبية لرغبة الشعب المغربي في إخراج البلاد من الوضعية التي وجدت نفسها عليها بعد الاستقلال، إلى نظام مملكة دستورية متمتعة بالحريات الديمقراطية، دينها الرسمي الإسلام ولغتها العربية. 2ـ يعلنون موافقتهم على هذا المشروع كخطوة أولى في تركيز المبادئ الإسلامية والأنظمة الديمقراطية الحديثة، مع العلم بأنه كان يستلزم عروبة المغرب من حيث أن العربية هي لغتها الرسمية، وكون قوانينه يجب أن تستمد من الشريعة الإسلامية؛ لأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إلا إنه كان من المرغوب فيه أن يقع التأكيد على هذين المبدأين بصراحة تامة.”
والخلاصة أن كبار علماء المغرب قد ارتبط نشاطهم العلمي بانخراطهم بفعالية في النضال الوطني وفي السعي لبناء دولة ديمقراطية حديثة. (26) وهذا الموقف الجلي الذي يدل على سبق نخبة الفقهاء في تبني هذا الخيار؛ يدفعنا للتساؤل: لماذا يغيب الفقهاء اليوم عن ساحة الممارسة السياسية حيث تدار معركة الانتقال الديمقراطي؟
التمايز المغربي عن المشرق فيما سمي بـ “النبوغ المغربي”
وهو عنوان لكتاب العلامة عبد الله كنون الذي ألف في ثلاثينيات القرن العشرين كتاباً تحت عنوان “النبوغ المغربي” أبرز فيه ملامح ثقافته المتميزة، وكيف ظهرت في ربوعه نوابغ أغنت المشرق، بل تجاوزته في بعض مناحي المعرفة.
وإذا كان الذهن ينصرف في الغالب إلى رواد النهضة من المشارقة، حيث ينصرف عادة إلى عدد من العلماء والمفكرين والمصلحين من قبيل: الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وقاسم أمين ورفاعة الطهطاوي وغيرهم… فإنه قليلاً ما يحظى علماء ومفكرون من قبيل الشيخ بن باديس، والأستاذ مالك بن نبي، والشيخ أبي شعيب الدكالي، والأستاذ علال الفاسي، والأستاذ بن الحسن الوزاني، والعلامة المختار السوسي، والدكتور عزيز الحبابي، والشيخ الطاهر بن عاشور، والدكتور طه عبد الرحمن، والدكتور أحمد الريسوني، والعلامة امحمد بن عبد الله العثماني (والد الدكتور سعد الدين العثماني)… والقائمة طويلة.
إن هؤلاء ونظراءهم من المغاربة لم يحظوا بالقدر الكافي من الاهتمام وإبراز إضافاتهم للفكر الإسلامي، حيث ينصرف الذهن في الغالب عند ذكر عدد من هؤلاء إلى نضالهم السياسي أكثر من استحضار تراثهم الفكري والعلمي.
علال الفاسي والفكر الديمقراطي
وحيث إنه يتعذر الإحاطة بالتفصيل بكل الرواد المغاربة الذين تمت الإشارة إليهم، فإنه من غير المناسب ألا نتناول بعض كبار العلماء والزعماء المغاربة ومنهم على الخصوص الزعيم علال الفاسي رحمه الله، بما يتناسب مع سياق وهدف هذه الدراسة التي تتناول الإغناء المغربي لفكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وفي هذا الصدد يقرر علال الفاسي رحمه الله في كتابه ما يلي:
“إن سند الحكم في الدولة الإسلامية هو إرادة الشعب، والسيادة للأمة تمارسها من خلال أهل الحل والعقد، فبيعة الإمام إنما تنعقد -باتفاق علماء الكلام- ببيعة أهل الحل والعقد لأن الإمام هو وكيل الأمة، وأنهم هم الذين يولونه ملك السلطة، وأنهم يملكون خلعه وعزله لأن مصدر قوة الخليفة هو الأمة، وإنما يستمد سلطانه منها. وأن المسلمين هم أول أمة قالت بأن الأمة هي مصدر السلطات كلها.” (21)
ففي منظور علال الفاسي فقد اختار الشعب الديمقراطية طريقة للحكم: “لأن ذلك ما يتفق مع عقيدته الإسلامية التي تحترم الإنسان وتفرض كرامته وتأمر بالعدل والإحسان، وما يتفق كذلك مع تقاليده التي طبعت الأنظمة القبلية وعلاقة الرؤساء بالشعب ولأن المدرسة الأولى التي تثقف فيها في فجر نهضته هي المدرسة السلفية”.
ومن خلال مفهوم “سيادة الأمة” وحضوره المركزي وما يتصل به من مبادئ المشاركة السياسية والمراقبة لعمل السلطة، يعتبر علال الفاسي أن الأمة هي صاحبة السلطة والحفيظة عليها، كما يقصد من قوله أن تكون جميع السلطات: التنفيذية والتشريعية والقضائية بيد الأمة، وهي صانعة القرار السياسي، وديمقراطية تقوم على النظام البرلماني.
يؤكد علال الفاسي على ضرورة الاستفادة من كل التجارب الإنسانية من أجل إقامة حكم على أساس ديمقراطي صحيح، بالشكل الذي يجعل الأمة مالكة لزمام قادتها ومسيري أمورها، وأن الشعب مصدر السيادة، فهو الذي يبايع وهو الذي ينتخب ويعلن رأيه في الاستفتاء. ومظهر تلك السيادة يتحقق بأشكال مختلفة، منها ما تذهب إليه أغلبية الأمة في الاستفتاء الذي يتحول إلى قانون ملزم لكل الأطراف حكاماً ومحكومين. وهذا الحكم الذي يرجع للأمة مقيد بقيدين اثنين: عدم مخالفة الإسلام، وعدم مخالفة الدستور.
مراجع ومصادر الحلقة الرابعة
21- علال الفاسي، (يُفهم من السياق أنها من مؤلفاته في الفكر السياسي). 22- عبد الله كنون، مفاهيم إسلامية، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر ـ 01 يناير 2018. 23- حماد القباج، فقهاء المغرب والخيار الديمقراطي، موقع هسبريس 9 يونيو 2017. 24- نفس المرجع. 25- عبد القادر الإدريسي، مواقف مغربية في التاريخ والثقافة والفكر، مطبعة النجاح الجديدة 2007. 26- نفس المرجع.




