رأي

تفاهة الشر: الوجه المطمئن للخطر

منير لكماني ألمانيا

 25/04/26

اعتاد المخيال الإنساني أن يمنح الشر هيئة استثنائية: شيطانا كامنا في العتمة، أو مجرما منفلت الوحشية، أو عقلا معتما يدرك وجهته ويمضي إليها عن قصد. غير أن القرن العشرين كشف وجها آخر للشر، لا تقل فظاعته عن تلك الصور، لكنه أشد إرباكا؛ شر يصدر عن أناس عاديين، عن موظفين مطيعين، ومواطنين لا توحي حياتهم اليومية بأنهم شركاء في الكارثة. يذهبون إلى مكاتبهم، يوقعون الأوراق، ينفذون التعليمات، ثم يعودون إلى بيوتهم، كما لو أن ما فعلوه لم يكن جزءا من مأساة إنسانية واسعة.

من هذا التوتر بين هول الفعل وعادية الفاعل ولدت فكرة “تفاهة الشر”. وهي لا تعني أن الشر بسيط أو قليل الخطر، بل أن ارتكابه قد لا يحتاج دائما إلى حقد صريح أو رغبة واعية في الإيذاء. فقد يصدر الشر عن إنسان ضحل الوعي، لا يراجع نفسه، ولا يتخيل ضحاياه، ولا يسأل عن عاقبة ما يفعل. لا يحتاج الأمر، أحيانا، إلى كراهية معلنة؛ يكفي أن يكف الإنسان عن التفكير، وأن يترك ضميره نائما تحت سلطة الأمر والروتين.

معنى التفاهة: شر عظيم بضمير غائب

لا تصف تفاهة الشر حجم الجريمة، بل تكشف ضحالة الوعي الذي يسمح بوقوعها. فالشر، في هذه الصورة، لا يأتي دائما على هيئة قرار دموي صريح، ولا يعلن نفسه في خطاب كراهية مباشر، بل يتسرب عبر تفاصيل تبدو محايدة: أمر إداري، توقيع، تقرير، تصنيف، نقل، أو تنفيذ تعليمات. ومع تراكم هذه التفاصيل يفقد الفعل صلته بسؤاله الأخلاقي، ويغدو جزءا مألوفا من سير العمل.

وهنا يكمن الخطر. فالجريمة لا تظهر لصاحبها بوصفها جريمة، بل مهمة ينبغي إنجازها. والضحية لا تحضر أمامه كإنسان له وجه وصوت وذاكرة وحياة، بل كرقم في سجل، أو ملف على مكتب، أو بند في لائحة. هكذا يغدو الشر فادحا في أثره، هزيلا في دوافعه؛ لا يحتاج إلى عبقرية شيطانية، بل إلى إنسان يتنازل عن مسؤوليته، ويستريح خلف العبارة الجاهزة: “أنا فقط أنفذ الأوامر” أنفذ الأوامر”.

غياب التفكير: حين يتحول الإنسان إلى أداة

من أبرز سمات تفاهة الشر أن الإنسان يكف عن مساءلة نفسه. لا يتوقف ليسأل: هل ما أفعله عادل؟ من سيتأذى بسببه؟ وهل أملك أن أرفض؟ بل يلوذ بما تقوله المؤسسة، أو بما يأمر به الرئيس، أو بما تفرضه القواعد. عندئذ لا يبقى فاعلا أخلاقيا مسؤولا عن اختياراته، بل يتحول إلى أداة داخل نظام أوسع، تنجز ما يطلب منها من غير أن تسأل عن المعنى أو العاقبة.

ليست الطاعة، في ذاتها، هي المشكلة؛ فبوسع الإنسان أن يعمل داخل مؤسسة، وأن يحترم القانون، وأن يلتزم بالنظام، من غير أن يتخلى عن ضميره. تبدأ الخطورة حين تصبح الطاعة بديلا عن التفكير، وحين يتحول الامتثال إلى عذر يعفي صاحبه من السؤال. في تلك اللحظة لا يعود الإنسان يرى حقيقة ما يفعل، بل يرى فقط المهمة التي كلف بها، ولا يسمع صوت الضمير، بل صدى الأمر الذي صدر إليه.

اللغة الباردة: حين تتنكر الجريمة في الكلمات

تحتاج تفاهة الشر إلى لغة تمنحها القدرة على التخفي. فبدلا من تسمية الأشياء بأسمائها، تلجأ الأنظمة إلى مفردات محايدة وباردة: إجراءات، تعليمات، تنظيم، معالجة، نقل، أمن، مصلحة عامة. تبدو هذه الكلمات بريئة في ظاهرها، لكنها قد تتحول إلى ستار كثيف يحجب الألم الكامن خلفها. فالإنسان المتضرر لا يعود، في اللغة الرسمية، إنسانا له وجه وحياة وكرامة، بل يصبح حالة، أو رقما، أو ملفا قابلا للتصنيف والترحيل والنسيان.

بهذه الطريقة تفقد الجريمة صدمتها الأولى. لا يشعر المنفذ بأنه يشارك في أذى حقيقي، لأنه لا يرى الدم، ولا يسمع الصراخ، ولا يواجه الضحية وجها لوجه. إنه يتعامل مع أوراق وشاشات وأوامر، فيطمئن إلى أن ما يفعله ليس سوى جزء من العمل. وهنا يغدو الخيال الأخلاقي ضرورة لا زينة؛ فمسؤولية الإنسان لا تتوقف عند ما يراه بعينيه، بل تمتد إلى ما يعرف، أو ينبغي أن يعرف، أنه يقع نتيجة لأفعاله.

من الفرد إلى البيئة: حين يتسع الصمت للكارثة

لا تنشأ تفاهة الشر من فرد واحد فحسب، بل من بيئة كاملة تشجع الصمت وتكافئ الإمتثال. حين يخاف الناس من السؤال، ويغدو الاعتراض عبئا، ويفضل الجميع سلامتهم الشخصية على قول الحقيقة، يبدأ الشر في الإنتشار بهدوء. ولا يحتاج الأمر دائما إلى وجوه استثنائية أو شخصيات مرعبة؛ فقد تكفي شبكة واسعة من الموظفين الصغار، والمسؤولين المترددين، والمواطنين الصامتين، كي تتحول الفظاعة إلى نظام يعمل بكفاءة.

يشبه هذا الشر فطرا ينمو في الظل. يبدأ من تنازل صغير، أو صمت عابر، أو تبرير مريح، ثم يتسع حتى يصبح جزءا من الحياة اليومية. ومع الوقت يعتاد الناس ما كان يجب أن يرفضوه منذ اللحظة الأولى، فيغدو غير المقبول مألوفا، ثم يتحول المألوف إلى قانون، أو عرف، أو واجب لا يجرؤ أحد على مساءلته المألوف قانونا أو عرفا أو واجبا.

مقاومة الشر :إستعادة السؤال

تذكرنا فكرة تفاهة الشر بأن الخطر لا يأتي دائما من إنسان يعلن شره جهارا، أو من وحش يندفع إلى الأذى بكراهية صريحة؛ فقد يأتي، في صورته الأخطر، من الإنسان العادي حين يكف عن التفكير، ويؤجل ضميره، ويقبل أن يكون ترسا صغيرا في آلة كبيرة. لذلك لا تبدأ مقاومة الشر من إدانة الجرائم الكبرى بعد وقوعها فحسب، بل من مقاومة الشروط التي تجعلها ممكنة: الصمت، والتبرير، والطاعة العمياء، وتحويل الآخرين إلى أرقام وملفات بلا وجوه.

أن نفكر ليس ترفا فكريا، بل واجب أخلاقي. وأن نسأل عما نفعل، ولمن نفعله، وبأي حق نفعله، هو أول طريق النجاة من التفاهة. فالشر يصبح عاديا حين يكف الناس عن الدهشة، ويغدو أشد خطرا حين يعتادون تبريره. أما مقاومته فتبدأ حين يستعيد الإنسان قدرته على رؤية الآخر إنسانا كاملا، وحين يملك شجاعة قول “لا” في اللحظة التي يتحول فيها الواجب إلى مشاركة في الظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى