26/04/26
في الحياة السياسية السليمة، يفترض أن يكون المنتخب قريبا من الناس الذين يمثلهم، عارفا بمشاكلهم اليومية، منصتا لإنتظاراتهم، ومتتبعا لما ينقص منطقتهم من مرافق وخدمات وفرص. فالبرلماني لا يحمل صفة تمثيلية عامة فقط، بل يحمل أيضا أمانة محلية مرتبطة بمنطقة معينة وبساكنة منحت له ثقتها. غير أن ما يحدث أحيانا هو عكس ذلك تماما؛ إذ يتحول الترشح في بعض الحالات إلى بحث عن الدائرة الأسهل، لا عن المنطقة الأقرب إلى المرشح وجدانيا وإجتماعيا وسياسيا.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”تبدال لمنازل راحة”: إنتقال بعض الوجوه الحزبية من منطقة إلى أخرى، كلما إقتربت الإنتخابات، بحثا عن ضمان الفوز أكثر مما هو بحث عن خدمة الناس. لا يهم الإرتباط الحقيقي بالمكان، ولا السكن فيه، ولا معرفة تفاصيله، بل المهم هو الحساب الإنتخابي: أين توجد الحظوظ الأكبر؟ وأين يمكن الحصول على المقعد بأقل خسارة؟
الوعود التي تنتهي مع الحملة
تبدأ الحكاية عادة مع الحملة الإنتخابية. يظهر المرشح فجأة في منطقة لا يعرفها إلا من خلال الخرائط والتقارير الحزبية. يزور الأسواق، يلتقي بعض الوجوه، يلتقط الصور، ويكثر من الوعود: الطرق، المستشفى، المدرسة، التشغيل، النقل، الإستثمار، دعم الشباب، والإنصات إلى الجمعيات. تبدو الكلمات جميلة، ويبدو القرب من الناس صادقا، لكن هذا القرب لا يعيش طويلا.
فبعد إعلان النتائج، يتراجع الحضور تدريجيا، ثم يختفي تماما. لا لقاءات منتظمة، لا تواصل مستمر، لا دفاع واضح عن الملفات، ولا أثر ملموس في قضايا الساكنة. وكأن المنطقة لم تكن إلا ممرا مؤقتا نحو البرلمان. وحين تقترب الإنتخابات الموالية، تظهر الحسابات من جديد، وقد يقرر المرشح نفسه الإنتقال إلى دائرة أخرى، بذات الخطاب، وذات الوعود، وذات الطريقة.
البرلماني ليس زائرا موسميا
البرلماني، إلى جانب دوره التشريعي والرقابي، مطالب بالترافع عن قضايا المنطقة التي يمثلها. عليه أن ينقل صوتها إلى المؤسسات، وأن يدافع عن حاجاتها في البنية التحتية، والصحة، والتعليم، والتشغيل، والإستثمار، والماء، والنقل، والعدالة المجالية. وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به شخص لا يعيش نبض المنطقة، ولا يعرف أسماء دواويرها وأحيائها، ولا يتواصل مع جمعياتها وفعالياتها، ولا يتابع مشاكلها إلا في موسم الإنتخابات.
التمثيل السياسي ليس زيارة عابرة، ولا عقدا مؤقتا يمتد خمسة عشر يوما خلال الحملة. إنه علاقة مستمرة بين المنتخب والساكنة، تقوم على الحضور، والإنصات، والمحاسبة. ومن لا يستطيع أن يكون قريبا من الناس بعد الفوز، لا يحق له أن يطلب قربهم قبل التصويت.
مسؤولية الأحزاب قبل الأفراد
هذه الظاهرة لا يتحملها المرشح وحده، بل تتحملها الأحزاب أيضا. فحين تفرض بعض القيادات نفسها على الدوائر التي تراها مضمونة، وتتجاوز أبناء المنطقة ومناضليها المحليين، فإنها تضعف الثقة في السياسة. وتصبح الأحزاب، بدل أن تكون مدارس للتمثيل والنضال والقرب من المواطنين، مجرد آلات إنتخابية تبحث عن المقاعد بأي طريقة.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يحبط المناضلين المحليين الذين اشتغلوا سنوات وسط الناس، ويعرفون مشاكلهم، لكنهم يجدون أنفسهم في آخر لحظة خارج الحسابات، لأن قرارا مركزيا إختار وجها معروفا أو قياديا للترشح مكانهم. وهكذا يتحول الحزب من إطار لتأطير المواطنين إلى وسيلة لتوزيع المواقع.
أثر الظاهرة على الثقة السياسية
عندما يرى المواطن أن المنتخب لا يظهر إلا وقت الحملة، وأن الوعود تتكرر بلا أثر، وأن المرشحين يغيرون الدوائر كما يغير المسافر محطة الطريق، فمن الطبيعي أن يفقد الثقة في العمل السياسي. عندها يصبح التصويت في نظره مجرد مسرحية موسمية، وتصبح الوعود لغة بلا معنى، ويكبر الشعور بأن البرلمان مكان للإمتياز لا للمسؤولية.
وهذا خطر كبير؛ لأن الديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الإقتراع، بل على الثقة. فإذا إنهارت الثقة بين المواطن والمنتخب، ضعفت المشاركة، وإنتشر العزوف، وترك المجال لمن يحسنون الحسابات أكثر مما يحسنون خدمة الناس.
المقعد أمانة لا غنيمة
الترشح في منطقة لا ينبغي أن يكون مجرد إختيار انتخابي بارد، بل إلتزاما أخلاقيا وسياسيا تجاه ساكنتها. من أراد تمثيل الناس فعليه أن يعرفهم، ويقترب منهم، ويستمع إليهم، ويدافع عن قضاياهم قبل الحملة وبعدها. أما تحويل الدوائر إلى “منازل راحة” إنتخابية، ينتقل بينها البعض بحثا عن المقعد المضمون، فهو إهانة للسياسة وللناخبين معا.
المقعد البرلماني ليس غنيمة حزبية، بل أمانة عمومية. ومن لا تربطه بالمنطقة معرفة، ولا حضور، ولا تواصل، ولا ترافع، لا يمكن أن يكون صوتها الحقيقي. فالساكنة لا تحتاج إلى زائر إنتخابي عابر، بل إلى ممثل يعرف أن الفوز لا يبدأ يوم الإقتراع، ولا ينتهي بإعلان النتائج، بل يبدأ من خدمة الناس ويقاس بما تحقق لهم على أرض الواقع.



